تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1031

مساهمون:

ص١٠٣١
الدنيا فقط ، إذ لا يعتقد الآخرة ، فإن الله يجازيه على حسن أعماله في الدنيا بالنّعم والحواس وغير ذلك ، فمنهم مضيّق عليه ، ومنهم موسّع له ، ثم حكم عليهم بأنهم لا يحصل لهم يوم القيامة إلا النار ، ولا تكون لهم حال سواها . والسبب أنهم استوفوا حقوقهم في الدنيا ثمرة إحسان عملهم ، وبقي لهم في الآخرة وزر العمل السيء لأنهم لم يريدوا وجه الله تعالى ، والمطلوب في الثواب الأخروي هو الإخلاص لله عزّ وجلّ . ولقد أحبط الله في ميزان الآخرة ثواب عمل أهل الدنيا فقط ، وتبدد وذهب عنهم أثر عملهم الدنيوي ، وبطل ثواب عملهم في الآخرة . وهذا وارد في آية أخرى هي : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَه فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَه جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) ومَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) [ الإسراء : 17 / 18 - 19 ] . وأما قاصد الآخرة بعمله فهو على حق وخير من أمره . ومعنى الآية : أفمن كان على نور وبصيرة من الله تدّله على الحق والصواب ، ويؤيده شاهد له على صدقه ، وهو كتاب الله من إنجيل أو توراة أو قرآن ، كمن كان يريد زينة الحياة ومتاعها ؟ ! وهذا فريق المؤمنين بأنه لا إله إلا الله ، المصدقين باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب . وخصّ الله تعالى بالذّكر بعد التعميم كتاب موسى وهو التوراة ، لأنه يشبه ما جاء في القرآن من تشريعات وأحكام ، ولا يقتصر على مجرد الآداب والأخلاق كالإنجيل . وأولئك الذين يؤمنون بما في التّوراة من التبشير برسالة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يؤمنون بالقرآن إيمانا حقّا عن يقين وإذعان ، كما قال النّجاشي رحمه الله : « إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة » .