تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1680

مساهمون:

ص١٦٨٠
والرجلين ، تشتمل على العظام والأعصاب والعروق . ثم يغطي الله تعالى العظام المخلوقة أولا بما يسترها ويشدها ويقويها ، وهو اللحم ، لأن اللحم يستر العظم ، فجعل اللحم كالكسوة للعظم . ثم ينشئ الله تعالى الجنين خلقا آخر ، أي مباينا للخلق الأول ، بأن ينفخ الله فيه الروح ، فيتحرك ، ويصير خلقا آخر ذا سمع وبصر ، وإدراك وحس ، وحركة واضطراب . فتبارك الله أحسن الخالقين ، أي تعالى شأنه في قدرته وحكمته ، وتنزه وتقدس الله أحسن المقدّرين المصوّرين . وكلمة « تبارك » مطاوع « بارك » كأنها بمنزلة « تعالى وتقدّس » من معنى البركة . وهذه الآية يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لما سمع صدر الآية ، إلى قوله تعالى : * ( ثُمَّ أَنْشَأْناه خَلْقاً آخَرَ ) * قال فيما رواه الطيالسي وغيره عن أنس : « فتبارك الله أحسن الخالقين » فقال رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : هكذا أنزلت . وقوله سبحانه : * ( أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) * معناه : أحسن الصانعين ، ولا صانع ولا خالق غير الله تعالى ، وخلقه وصنعه أقوم صنع وأحسنه وحسنه ، فهو حسن وأحسن ، ولا يراد بذلك التفاضل بينه وبين غيره تعالى ، وإنما الدلالة على كمال الخلق وحسنه وتمام إبداعه وتكوينه . وبعد تمام الخلق والولادة والحياة في الدنيا ، إنكم أيها البشر بعد النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت . ثم تبعثون من قبوركم أحياء للنشأة الآخرة ، للحساب والجزاء ثوابا وعقابا ، كما قال الله تعالى : ثُمَّ اللَّه يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ [ العنكبوت : 29 / 20 ] يعني يوم المعاد . وهذا خبر بالبعث والنشور . وانتقال الإنسان بموتتين : الأولى قبل وجوده والثانية بعد موته ، ثم انتقاله بحياتين : حياة الدنيا وحياة الآخرة : دليل واضح على قدرة الله عز وجل ، لأن هذا الانتقال في صورتين متتاليتين يحتاج إلى مبدع خالق ، ألا وهو الله أحسن الخالقين .