خفت أقاربي العصبات من بني العم ونحوهم إهمال أمر الدين وتضييعه من بعد موتي ، فطلبت ولدا نبيا من بعدي ، يحرس بنبوته شأن الدين والوحي ، وكانت زوجتي عاقرا لا تلد .
فكانت مسوغات الدعاء ثلاثة : ضعف البدن مع عقم امرأته ، وكونه مستجاب الدعاء ، وخوفه من ورثته من ضياع الدين بعد موته . ولم يكن خوفه من إرث المال ، لأن الأنبياء لا يورثون ،
جاء في الصحيحين أن رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « لا نورث ، ما تركناه صدقة » .
وفي رواية : « نحن معشر الأنبياء لا نورث » .
فامنحني وأعطني من جنابك وواسع فضلك وليا يلي أمر الدين ، يكون ولدا من صلبي ، يرثني النبوة ، ويرث ميراث آل يعقوب ، وهي وراثة العلم والنبوة ، على الراجح ، لا وراثة المال ، فيرث ما عندهم من العلم ، ويقوم برعاية أمورهم في الدين ، واجعله يا رب برّا تقيا مرضيا عندك في أخلاقه وأفعاله ، ترضاه وتحبه أنت ، ويرضاه عبادك ويحبونه ، ليكون أهلا لحمل رسالة الدين ، وتعليمه وتبليغه ، وإقامة شعائره .
وأما يعقوب فهو إسرائيل ، وكان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران ، ويرجع نسبها إلى يعقوب .
ولهذه الآية نظائر في القرآن الكريم ، مثل : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّه قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) [ آل عمران : 3 / 38 ] . ومثل : وزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّه رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) [ الأنبياء : 21 / 89 ] .
ويلاحظ أن زكريا عليه السلام لما رأى من حاله ، إنما طلب وليا أي ناصرا ، ولم يصرح بالولد ، لبعد ذلك بسبب عقم المرأة ، وكبر سنه . ووصف الولي بأن يكون وارثا ، يرث من آل يعقوب الحكمة والعلم والنبوة ، والميراث في هذا كله استعارة .
التفسير الوسيط — صفحة 1461
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٤٦١