التي نذرتها أمها لخدمة الهيكل من نصيب كفالة زكريا فهو زوج أختها ، فلما رأى إكرام الله تعالى لمريم ورزقها من حيث لا تحتسب ، دعا أن يرزقه الله تعالى الولد ، وهذه هي القصة .
افتتحت سورة مريم بالأحرف المقطعة ( كهيعص ) للتنبيه لما يذكر في هذه السورة ، وتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن ، ما دام الكلام القرآني مركبا من حروف الهجاء العربية التي هي مادة تركيب الجملة والكلام العربي نثرا وخطابة وشعرا ، فوجود هذه الحروف لمعان معينة ، وليس في كتاب الله ما لا يفهم ، ثم أعقبت هذه الأحرف بما يلي :
هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك عبده زكريا ، الذي كان أحد الأنبياء العظام لبني إسرائيل ، وزوجته خالة ( عيسى ) . والمراد بذكر الرحمة : بلوغها وإصابتها وإجابة الله دعاء زكريا . وذلك حين نادى زكريا ، أي نادى بالدعاء والرغبة ، في حال من إخفاء النداء ، لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد عن الرياء ، ومنه
قول النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيما رواه أحمد وغيره : « خير الذكر الخفي » .
وقال بعض العلماء : يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الدعاء الذي هو في معنى القبول والمغفرة لأنه يدل من الإنسان على أنه خير ، فإخفاؤه أبعد من الرياء ، وأما دعاء زكريا وطلبه ، فكان في أمر دنيا ، وهو طلب الولد ، فإنما أخفاه لئلا يلومه الناس في ذلك ، وليكون على أول أمره ، إن أجيب نال بغيته ، وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك . ويقال : وصف بالخفاء لأنه كان في جوف الليل .
قال زكريا ، عليه السلام ، في دعائه الخفي : يا رب ، لقد صرت فاتر العظام ، ضعيف البنية والقوى ، هرما كثير الشيب ، ولم أعهد منك إلا إجابة الدعاء ، ولم تردني قطَّ فيما سألتك ، فما كنت خائبا ، بل كنت كلما دعوتك استجبت لي . وإني
التفسير الوسيط — صفحة 1460
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٤٦٠