لأن الله أحيا به الناس بالتدين . وقوله تعالى : * ( لَمْ نَجْعَلْ لَه مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) * معناه في اللغة : لم نجعل له مشاركا في هذا الاسم ، أي لم يسمّ قبل بيحيى . وقال ابن عباس :
« لم تلد العواقر قبله مثله » .
فتعجب زكريا النبي الرسول من هذه البشارة حين أجيب دعاؤه ، وفرح فرحا شديدا ، وسأل عن كيفية ما يولد له ، والوجه الذي يأتيه منه الولد ، مع أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها ، مع كبرها وكبر زوجها . وقوله سبحانه : * ( وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ) * معناه : انتهى سنه ، وكبر ونحل عظمه ، وفقد القدرة على جماع النساء .
قال الله تعالى عن طريق الملك مجيبا زكريا عما تعجب منه : الأمر كما قلت ، سنهب لك ولدا ، على الرغم من العقم والهرم ، هو علي سهل ميسور ، إذا أردت شيئا قلت له : ( كن ) فيكون ، وقد خلقتك ابتداء ، وأوجدتك من العدم المحض ، ولم تك شيئا قبل ذلك ، فإيجاد الولد وتهيئة الرحم ، من طريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه .
وهذا دليل على القدرة الإلهية التي لا نظير لها ، فإن الله تعالى يسهل عليه كل شيء ، وأمر الخلق من العدم أو من طريق التوالد ولو مع وجود الكبر والعقم ، سواء في شأن القدرة الخالقة .
فقال زكريا متعرفا أمارة أو وقت البشارة بالمولود : يا رب اجعل لي علامة ، ودليلا على وقت وجود الغلام المبشر به ، وهو حمل امرأتي ، لتستقر نفسي ، ويطمئن قلبي بما وعدتني ، لأن الحمل كما هو معروف خفي المبدأ ، ولا سيما ممن انقطع حيضها في الكبر .
فأجابه الله تعالى مرة أخرى وحقّق مطلبه قائلا بواسطة الملك : علامتك على
التفسير الوسيط — صفحة 1463
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٤٦٣