تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1079

مساهمون:

ص١٠٧٩
والمعنى : فالزم وثابر يا محمد ومن آمن معك على طريق الاستقامة في الاعتقاد والأعمال ، وتطبيق أوامر القرآن في العبادات والمعاملات ، وهي درجة تتطلب جهاد النفس ، والترفع عن الأهواء والشهوات . ولا يعني أمر الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالاستقامة أنه لم يكن مستقيما ، وإنما كان على العكس في غاية الاستقامة ، وإنما المقصود كما ذكرت في هذا الموضوع : هو الدوام والاستمرار على ما هو عليه ، وذلك طريق النصر على الأعداء . وفي هذا دليل على وجوب اتّباع النصوص الشرعية من غير تصرّف ولا انحراف ، ولا تقليد وعمل برأي فاسد غير صحيح ، ومن حاد عن ذلك زاغ وأزاغ . والتزام جادة الاستقامة ليس بالأمر الهيّن ، وإنما يتطلب جهادا متواصلا . روى الطبراني في الكبير في حديث صحيح عن عقبة بن عامر وأبي جحيفة : أن النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « شيّبتني هود وأخواتها » فقال له بعض العلماء : فما الذي شيّبك من هود ؟ قال له : قوله تعالى : * ( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) * . وبعد الأمر بالاستقامة ، نهى الله تعالى عن ضدّها وهو الطغيان ، وهو البغي وتجاوز حدود الله في قوله سبحانه : * ( ولا تَطْغَوْا إِنَّه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) * أي إن الطغيان مزلقة إلى الهلاك ، والله تعالى بصير بأعمال العباد ، لا يخفى عليه شيء ، فيجازي عليه . وهذا تحذير واضح من الانحراف والمخالفة . ثم نبّه الله تعالى إلى خطر الميل مع الظالمين ، فقال : * ( ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) * أي ولا تميلوا مع الظالمين بمودة أو مداهنة أو رضا بأعمالهم ، أو استعانة بهم ، أو اعتماد عليهم ، فتصيبكم النار بركونكم إليهم ، فذلك ظلم ، وليس لكم من غير الله أنصار أبدا ينفعونكم ، ويمنعون العذاب عنكم ، ثم لا ينصركم الله في حال الظلم ، لأن الله سبحانه لا يحب الظلم لأحد ، ولا ينصر الظالمين ، كما قال تعالى : وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [ البقرة : 2 / 270 ] . وقال أيضا : وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [ الحج : 22 / 71 ، فاطر : 35 / 37 ] .