هذا وقد استمرت عادة تعليق صحف المعاهدات والوصايا وغيرها في الكعبة . ومن أوضح
الأمثلة على ذلك ما فعله هارون الرشيد حين قام بتولية أولاده العهد من بعده .
ان أمر الالتزام بشرعية الأوامر المعلقة في جوف الكعبة مرتبط بقدسيتها ، حيث اعتبرها
القرشيون بيت الله . وهكذا فالامر المعلق في جوفها تصبح له صفات إلهية ، وهو أمر في
غاية الأهمية ، وقد تطور بعد ذلك تطورا كبيرا .
وبعد قيام الاسلام ، ومع بداية التبشير به لم يحدث تغيير جوهري فيما كان سائدا في
مكة ، ذلك أن النبي لم يمارس أية سلطات على الذين آمنوا برسالته ، ولكنه مع ذلك فقد
غدا مسموع الكلمة ، محترما ومتبع الرأي بين أتباعه .
وقد تبدل هذا الحال كليا بانقضاء الفترة المكية وهجرة المسلمين إلى المدينة ، حين
عمل النبي الذي أصبح بالإضافة إلى صفة النبوة يتحلى بصفة زعيم أمة وحاكمها المطلق
النابعة أحكامه من إرادة الله ، عمل هذا النبي على انشاء أمة جديدة ذات تقاليد
وقواعد جديدة . ولأول مرة في حياة مجتمع شمالي شبه الجزيرة العربية ، لا بل في مجتمع
الجزيرة كله ، قامت تجربة جديدة للحكم ، مركزية السلطة ،
التوابون — صفحة 23
مساهمون: إبراهيم بيضون
ص٢٣