وكان عمر بن الخطاب ‹ 1583 › يفرط في الثناء عليه حتّى قال فيه - لمّا طعن - : لو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى ، ومعنى هذا القول منه أنه كان يصدر في أمر الخلافة وتقليدها عن رأيه ، وأنه كان يفوّض الاختيار إليه ليختار من أُولئك النفر الذين جعلها فيهم شورى من رآه ويعيّنه ، لا أنه كان يجعل الخلافة فيه ، وكيف يظنّ بمثل عمر ذلك وهو يعلم أن في الصحابة من هو خير من سالم وأولى بالخلافة منه ؟ ! لا بل كيف كان يستخلفه - وهو من الفرس
الموالى - وليس قرشي النسب ؟ ! ( 1 )
هامش
1 . جامع الأصول 14 / 155 - 156 .
وقال ابن قتيبة : قالوا : حديثان متناقضان ، قالوا : رويتم عن النبيّ صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أنّه قال : « الأئمة من قريش » ، ورويتم أنّ أبا بكر الصديق احتجّ بذلك على الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة ، ثم رويتم عن عمر . . . أنّه قال - عند موته - : لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً ما تخالجني فيه الشك . . وسالم ليس مولى لأبي حذيفة ، وإنّما هو مولى لامرأة من الأنصار ، وهي أعتقته ، وربّته ، ونسب إلى أبي حذيفة بحلف ، فجعلتم الإمامة تصلح لموالي الأنصار ، ولو كان مولى لقريش لأمكن أن تحتجّوا بأن مولى القوم منهم ، ومن أنفسهم . قالوا : وهذا تناقض واختلاف .
قال أبو محمد : ونحن نقول : إنه ليس في هذا القول تناقض ، وإنّما كان يكون تناقضاً لو قال عمر : لو كان سالم حيّاً ما تخالجني الشك في توليته عليكم أو في تأميره ، فأمّا قوله : ( ما تخالجني الشكّ فيه ) فقد يحتمل غير ما ذهبوا إليه ، وكيف يظنّ بعمر . . أنه يقف في خيار المهاجرين والذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بالجنة ، فلا يختار منهم ، ويجعل الأمر شورى بينهم ، ولا يتخالجه الشكّ في توليته سالماً عليهم . . . هذا خطأ من القول ، وضعف في الرأي ، ولكن عمر لمّا جعل الأمر شورى بين هؤلاء ارتاد للصلاة من يقوم بها أن يختاروا الإمام منهم ، وأجّلهم في الاختيار ثلاثاً ، وأمر عبد الله ابنه أن يأمرهم بذلك ، فذكر سالماً ، فقال : لو كان حياً ما تخالجني فيه الشك .
وذكر الجارود العبدي فقال : لو كان أعيمش بني عبد القيس حيّاً لقدّمته ، وقوله : ( لقدّمته ) دليل على أنه أراد في سالم مثل ذلك من تقديمه للصلاة بهم ، ثم أجمع على صهيب الرومي ، فأمره بالصلاة إلى أن يتفق القوم على اختيار رجل منهم .
لاحظ : تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : 114 - 116 .
وقال الرازي : روى أبو بكر وعمر . . . يوم السقيفة أنه عليه [ وآله ] الصلاة والسلام قال : « الأئمة من قريش » ثم رويتم أشياء ثلاثة تناقضه :
أحدها : قول عمر . . . - في آخر حيّاًته - : لو كان سالم حيّاً لما تخالجني فيه شك . . وسالم مولى امرأة من الأنصار ، وهي حازت ميراثه .
وثانيها : أنه عليه [ وآله ] الصلاة والسلام قال : اسمع وأطع ولو كان عبد حبشياً .
وثالثها : قوله عليه [ وآله ] الصلاة والسلام : لو كنت مستخلفاً من هذه الأمة أحداً من غير مشورة لاستخلفتُ ابن أم عبد .
ثم أجاب عنها بقوله : هذه المطاعن التي ذكرتموها فمرويّة بالآحاد ، فإن فسدت رواية الآحاد فسدت هذه المطاعن ، وإن صحت فسدت هذه المطاعن أيضاً ، فعلى كل التقديرات هذه المطاعن مدفوعة فيبقى الأصل الذي ذكرناه سليماً .
انظر : المحصول 4 / 323 - 322 ، 350 .
بل صرّح الجاحظ بكونه طعناً على عمر فقال : ثم الدليل الذي ليس فوقه دليل ، قوله - وعنده أصحاب الشورى ، وكبار المهاجرين ، وجلّة الأنصار ، وعلية العرب ، وهو موف على قبره ينتظر خروج نفسه - : لو كان سالم حيّاً ما تخالجني فيه الشك . وسالم مولى امرأة من الأنصار ، وكان حليفاً لأبي حذيفة بن عتبة بمكة ، فلذلك كان يقال : مولى أبى حذيفة ، لأن حليف الرجل مولاه ، فإن كان هذا لا يدل على التباعد من الحميّة والأعرابيّة والعصبيّة ، ولا يدل على التسوية ، فما عندنا ولا عند أحد شيء يدلّ على شيء ! وإذا كان هذا مذهبه وقوله في الخلافة فما ظنّك به فيما دون الخلافة ؟ !
وهذا باب إن استقصيناه كثر وشغل الكتاب ، وفيما قلنا مقنع لمن كان الحق له مقنعاً ، والصواب له مألفاً .
راجع : العثمانية : 218 - 217 .