تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
وقوله - سبحانه - : * ( يَغْشَى النَّاسَ ) * صفة ثانية للدخان ، والمراد بهم كفار مكة وأمثالهم ممن أصابه الجوع والبلاء . أي : ارتقب - أيها الرسول الكريم - يوم تأتى السماء لهؤلاء المشركين بعذاب من صفاته أنه عذاب واضح ، يحسونه بحواسهم ، ويشعرون به شعورا جليا ، ومن صفاته كذلك أنه يحيط بهم من كل جوانبهم ، ويجعلهم يتضرعون إلينا ويقولون : * ( هذا عَذابٌ أَلِيمٌ ) * أي : شديد ألمه ، وعظيم هوله . ثم يقولون - أيضا - : * ( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ) * أي : يا ربنا أزل عنا هذا العذاب المتمثل في الجوع والمرض وغيرهما ، فإنك إن رفعت عنا ذلك آمنا برسولك صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، واتبعنا دعوته ، ولكنهم بعد أن كشف اللَّه - تعالى - عنهم هذا العذاب ، نقضوا عهودهم ، وأصروا على كفرهم . ولذا عقب اللَّه - تعالى - على تضرعهم هذا بقوله : * ( أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى . . ) * أي : كيف يتأتى لهم التذكر والاعتبار والاتعاظ . . . والحال أنهم * ( قَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ) * هو محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، الذي لم يترك بابا من أبواب الخير إلا وأرشدهم إليه ، ولم يترك وسيلة من وسائل الهداية إلا وسلكها معهم . . ولكنهم استحبوا العمى على الهدى ، ولذا أكد القرآن ذلك فقال : * ( ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْه وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ) * . أي : كيف يتعظون والحال أنه قد جاءهم رسول عظيم الشأن ، وضح الحق أكمل توضيح . فما كان منهم بعد أن استمعوا إليه ، إلا الإعراض عن دعوته ، ولم يكتفوا بهذا الإعراض والصدود ، بل قالوا في شأنه بجهالة وسوء أدب : * ( مُعَلَّمٌ ) * أي : إنسان يعلمه غيره من البشر ، وقالوا في شأنه - أيضا - * ( مَجْنُونٌ ) * أي : مختلط في عقله . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله عليهم ، ورحمته بهم ، فقال : * ( إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ ) * . أي : إنا بفضلنا ورحمتنا كاشفو العذاب عنكم كشفا قليلا - أيها المشركون - ، ولكنكم لم تقابلوا فضلنا عليكم ، ورحمتنا بكم ، بالشكر والطاعة بل قابلتم ذلك بالإصرار على الكفر ، والثبات على الجحود . فالمراد بقوله - تعالى - * ( إِنَّكُمْ عائِدُونَ ) * : عزمهم وإصرارهم على الاستمرار على الكفر ، لأنهم لم يوجد منهم إيمان ، حتى يتركوه ويعودوا إلى الكفر ، وإنما الذي وجد منهم هو