تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ) * لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، ولتسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأمره بالصبر حتى يحكم اللَّه بينه وبينهم . والارتقاب : الانتظار ، وأكثر ما يستعمل الارتقاب في الأمر المكروه والمراد باليوم مطلق الوقت ، وهو مفعول به لارتقب . قال الآلوسي ما ملخصه : « والمراد بالسماء جهة العلو ، وإسناد الإتيان بذلك إليها من قبيل الإسناد إلى السبب ، لأنه يحصل بعدم إمطارها . . . » . أي : فارتقب يوم تأتى السماء بجدب ومجاعة ، فإن الجائع جدا يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان ، وهي ظلمة تعرض للبصر لضعفه . . وإرادة الجدب والمجاعة منه مجاز ، من باب ذكر المسبب وإرادة السبب . . وبعض العرب يسمى الشر الغالب دخانا ، ووجه ذلك أن الدخان مما يتأذى به فأطلق على كل مؤذ يشبهه ، وأريد به هنا الجدب ، ومعناه الحقيقي معروف » « 1 » . وللمفسرين في معنى هذه الآية اتجاهات أولها : ما ورد في الحديث الصحيح من أن مشركي مكة ، لما أصروا على كفرهم وعلى إعراضهم عن الحق ، دعا عليهم الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقوله : « اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف . . » فأصابهم القحط والبلاء والجوع . . وكنى عن ذلك بالدخان ، لأن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان ، فيقولون : كان بيننا أمر ارتفع له دخان . . والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد ضعفه ، أظلمت عيناه ، فيرى الدنيا كالمملوءة بالدخان . روى البخاري وغيره عن ابن مسعود قال : إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام ، واستعصت على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم دعا عليهم بسنين كسنى يوسف ، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان . . . فقيل : يا رسول اللَّه ، استسق اللَّه لمضر فإنها قد هلكت ، فاستسقى لهم فسقوا ، فأنزل اللَّه : * ( إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ ) * . قال ابن كثير : « وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ، ورواه الإمام أحمد في مسنده ، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما ، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة » « 2 » . وعلى هذا الرأي يكون الدخان قد وقع فعلا ، بمعنى أن المشركين قد أصابهم بلاء شديد في عهد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . ثم كشف اللَّه عنهم منه ما كشف ببركة دعاء النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 25 ص 117 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 233 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 119 | سيد محمد طنطاوي