والاستفهام في قوله : * ( ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواه بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّه . . ) * للنفي والإنكار .
أي : ولا أحد أضل ممن اتبع هواه وشيطانه ، دون أن تكون معه هداية من اللَّه - تعالى - تهديد إلى طريق الحق ، لأن هذا الضال قد استحب العمى على الهدى . وآثر الغواية على الرشد .
وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * تذييل مبين لسنة اللَّه - تعالى - في خلقه .
أي : إنه - سبحانه - جرت سنته أن لا يهدى القوم الظالمين إلى طريق الحق بسبب إصرارهم على الباطل ، وتجاوزهم لكل حدود الحق والخير .
ثم أكد - سبحانه - قطع أعذارهم وحججهم بقوله : * ( ولَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) * .
وقوله . * ( وَصَّلْنا ) * من الوصل الذي هو ضد القطع ، والتضعيف فيه للتكثير .
أي : ولقد أنزلنا هذا القرآن عليك - أيها الرسول الكريم - متتابعا ، وأنت أوصلته إليهم كذلك ، ليتصل تذكيرك لهم ، عن طريق ما اشتمل عليه من عقائد وآداب وأحكام وقصص .
* ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) * أي : ليكون ذلك أقرب إلى تذكرهم وتعقلهم وتدبرهم ، لأن استماعهم في كل يوم . أو بين الحين والحين إلى جديد منه ، أدعى إلى تذكرهم واعتبارهم .
فالمقصود بالآية الكريمة . قطع كل حجة لهم ، وبيان أن القرآن الكريم قد أنزله - سبحانه - متتابعا ولم ينزله جملة واحدة ، لحكم من أعظمها اتصال التذكير بهداياته بين حين وآخر ، على حسب ما يجد في المجتمع من أحداث .
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد أقامت ألوانا من الحجج والبراهين ، على صدق النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند اللَّه ، كما حكت جانبا من شبهات المشركين ، وردت عليها بما يبطلها .
ثم تمدح السورة الكريمة بعد ذلك ، طائفة من أهل الكتاب ، استقامت قلوبهم ، وخلصت نفوسهم من العناد ، فاستقبلوا آيات اللَّه - تعالى - ومن جاء بها استقبالا يدل على صدق إيمانهم ، فقال - تعالى - :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 418
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤١٨