تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أي فرق بين الاستئنافين * ( إِنَّه ) * و * ( إِنَّا ) * ؟ قلت : الأول تعليل للإيمان به ، لأن كونه حقا من اللَّه حقيق بأن يؤمن به . والثاني : بيان لقوله : * ( آمَنَّا بِه ) * لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده ، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم ، لأن آباءهم القدماء قرؤا في الكتب الأول ذكره وأبناءهم من بعدهم ، « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الأخيار من ثواب فقال : * ( أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ) * . أي : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة يؤتون أجرهم مضاعفا بسبب صبرهم على مغالبة شهواتهم ، وبسبب صبرهم على ما يستلزمه اتباع الحق من تكاليف . قال القرطبي : قوله - تعالى - * ( أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ) * ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ، وأدرك النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران ، وعبد مملوك أدى حق اللَّه - عز وجل - وحق سيده فله أجران ، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن تغذيتها ، ثم أدبها فأحسن تأديبها ، ثم أعتقها وتزوجها ، فله أجران » . قال علماؤنا : لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا بأمرين من جهتين استحق كل واحد منهم أجرين ، فالكتابى كان مخاطبا من جهة نبيه ، ثم إنه خوطب من جهة نبينا ، فأجابه واتبعه فله أجر الملتين » « 2 » . وقوله - تعالى - * ( ويَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) * بيان لصفة أخرى من صفاتهم الحسنة . و * ( يَدْرَؤُنَ ) * من الدرء بمعنى الدفع ومنه الحديث الشريف : « ادرؤا الحدود بالشبهات » . أي : لا يقابلون السيئة بمثلها ، وإنما يعفون ويصفحون ، ويقابلون الكلمة الخبيثة بالكلمة الحسنة . * ( ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) * أي : ومما أعطيناهم من مال يتصدقون ، بدون إسراف أو تقتير . * ( وإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْه ) * أي : وإذا سمعوا الكلام الساقط الذي لا خير فيه . انصرفوا عنه تكرما وتنزها .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 420 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 13 ص 297 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 420 | سيد محمد طنطاوي