تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
* ( تَظاهَرا ) * أي : تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر ، وتأييده إياه ، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم ، فسألوهم عن شأنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقالوا : إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود . قالوا ذلك . وقرأ الأكثرون قالوا ساحران تظاهرا وأرادوا بهما محمد وموسى - عليهما الصلاة والسلام - « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يتحداهم ، وأن يفحمهم بما يخرس ألسنتهم فقال : * ( قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّه هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : لقد أنزل اللَّه - تعالى - على موسى التوراة . وأنزل القرآن على ، وأنا مؤمن بهما كل الإيمان ، فإن كنتم أنتم مصرون على كفركم * ( فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّه ، هُوَ أَهْدى مِنْهُما ) * أي هو أوضح منهما وأبين في الإرشاد إلى الطريق المستقيم . وقوله * ( أَتَّبِعْه ) * مجزوم في جواب الأمر المحذوف ، أي : إن تأتوا به أتبعه . . * ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * في زعمكم أن القرآن والتوراة نوع من السحر . فالآية الكريمة تتهكم بهم ، وتسخر منهم ، بأسلوب بديع معجز ، لأنه من المعروف لكل عاقل أنهم ليس في استطاعتهم - ولا في استطاعة غيرهم - أن يأتوا بكتاب . أهدى من الكتابين اللذين أنزلهما - سبحانه - على نبيين كريمين من أنبيائه ، هما موسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - . ولذا قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وهذا الشرط يأتي به المدل بالأمر المتحقق لصحته ، لأن امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين . أمر معلوم متحقق . لا مجال فيه للشك ، ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم بهم « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ) * زيادة في تثبيت قلب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم وتسليته عما أصابه منهم من أذى . أي : فإن لم يفعلوا ما تحديتهم به ، من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين . * ( فَاعْلَمْ ) * - أيها الرسول الكريم - * ( أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ ) * الباطلة ، وشهواتهم الزائفة ، عندما يجادلونك في شؤون دعوتك .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ح 20 ص 91 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 420 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 417 | سيد محمد طنطاوي