تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
فالضمير في قوله * ( تَتْلُوا عَلَيْهِمْ ) * يعود على أهل مكة . والجملة حالية . ويرى أكثر المفسرين أن الضمير لأهل مدين ، أي وما كنت مقيما في أهل مدين ، تقرأ عليهم آياتنا ، وتتعلم منهم ، والجملة حالية - أيضا - أو خبر ثان . وعلى كلا التفسيرين فالمقصود بالجملة الكريمة إثبات أن ما أخبر به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن الأولين ، إنما هو عن طريق الوحي ليس غير . وقوله - سبحانه - : * ( ولكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) * أي : ولكنا كنا مرسلين لك ، وموحين إليك بتلك الآيات وفيها ما فيها عن أخبار الأولين . لإحقاق الحق وإبطال الباطل . ثم ساق - سبحانه - ما يؤكد هذه المعاني تأكيدا قويا ، حتى يخرس ألسنة الكافرين ، فقال - تعالى - : * ( وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ) * . أي وما كنت - أيضا أيها الرسول الكريم - بجانب الجبل المسمى بالطور وقت أن نادينا موسى ، وكلفناه بحمل رسالتنا ، وأعطيناه التوراة ، وأوحينا إليه بما أوحينا من أحكام وتشريعات . وقوله - تعالى - : * ( ولكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) * أي : ولكن فعلنا ما فعلنا ، بأن أرسلناك إلى الناس ، وقصصنا عليك ما نريده من أخبار الأولين ، من أجل رحمتنا بك وبالناس ، حتى يعتبروا ويتعظوا بأحوال السابقين ، فالعاقل من اتعظ بغيره . فقوله - تعالى - : * ( رَحْمَةً ) * منصوب على أنه مفعول لأجله ، أو على المصدرية . وقوله - سبحانه - : * ( لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) * متعلق بالفعل المعلل بالرحمة ، والمراد بالقوم : أهل مكة وغيرهم ممن بعث الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إليهم . وجملة * ( ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) * صفة لقوله * ( قَوْماً ) * و * ( ما ) * موصولة مفعول ثان لتنذر ، وقوله : * ( مِنْ نَذِيرٍ ) * متعلق . أي : أرسلناك رحمة ، لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك ، وكما قال - تعالى - : وإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ . ويصح أن تكون * ( ما ) * نافية و * ( مِنْ ) * في قوله * ( مِنْ نَذِيرٍ ) * للتأكيد ، فيكون المعنى : أرسلناك رحمة لتنذر هؤلاء المشركين من أهل مكة الذين لم يأتهم نذير من قبلك منذ أزمان متطاولة . إذ الفترة التي بينك وبين أبيهم إسماعيل تزيد على ألفي سنة . ورسالة إسماعيل إليهم قد اندرست معالمها ، فكانت الحكمة والرحمة تقتضيان إرسالك إليهم لتنذرهم سوء عاقبة الشرك .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 414 | سيد محمد طنطاوي