فالضمير في قوله * ( تَتْلُوا عَلَيْهِمْ ) * يعود على أهل مكة . والجملة حالية .
ويرى أكثر المفسرين أن الضمير لأهل مدين ، أي وما كنت مقيما في أهل مدين ، تقرأ عليهم آياتنا ، وتتعلم منهم ، والجملة حالية - أيضا - أو خبر ثان .
وعلى كلا التفسيرين فالمقصود بالجملة الكريمة إثبات أن ما أخبر به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن الأولين ، إنما هو عن طريق الوحي ليس غير .
وقوله - سبحانه - : * ( ولكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) * أي : ولكنا كنا مرسلين لك ، وموحين إليك بتلك الآيات وفيها ما فيها عن أخبار الأولين . لإحقاق الحق وإبطال الباطل .
ثم ساق - سبحانه - ما يؤكد هذه المعاني تأكيدا قويا ، حتى يخرس ألسنة الكافرين ، فقال - تعالى - : * ( وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ) * .
أي وما كنت - أيضا أيها الرسول الكريم - بجانب الجبل المسمى بالطور وقت أن نادينا موسى ، وكلفناه بحمل رسالتنا ، وأعطيناه التوراة ، وأوحينا إليه بما أوحينا من أحكام وتشريعات .
وقوله - تعالى - : * ( ولكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) * أي : ولكن فعلنا ما فعلنا ، بأن أرسلناك إلى الناس ، وقصصنا عليك ما نريده من أخبار الأولين ، من أجل رحمتنا بك وبالناس ، حتى يعتبروا ويتعظوا بأحوال السابقين ، فالعاقل من اتعظ بغيره .
فقوله - تعالى - : * ( رَحْمَةً ) * منصوب على أنه مفعول لأجله ، أو على المصدرية .
وقوله - سبحانه - : * ( لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) * متعلق بالفعل المعلل بالرحمة ، والمراد بالقوم : أهل مكة وغيرهم ممن بعث الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إليهم .
وجملة * ( ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) * صفة لقوله * ( قَوْماً ) * و * ( ما ) * موصولة مفعول ثان لتنذر ، وقوله : * ( مِنْ نَذِيرٍ ) * متعلق .
أي : أرسلناك رحمة ، لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك ، وكما قال - تعالى - : وإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ .
ويصح أن تكون * ( ما ) * نافية و * ( مِنْ ) * في قوله * ( مِنْ نَذِيرٍ ) * للتأكيد ، فيكون المعنى : أرسلناك رحمة لتنذر هؤلاء المشركين من أهل مكة الذين لم يأتهم نذير من قبلك منذ أزمان متطاولة . إذ الفترة التي بينك وبين أبيهم إسماعيل تزيد على ألفي سنة .
ورسالة إسماعيل إليهم قد اندرست معالمها ، فكانت الحكمة والرحمة تقتضيان إرسالك إليهم لتنذرهم سوء عاقبة الشرك .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 414
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤١٤