قرية مدين ، التي قضى فيها عشر سنين أجيرا عند شيخ كبير من أهلها .
ثم حدثتنا عن رعاية اللَّه - تعالى - له ، بعد أن قضى تلك المدة ، وسار بأهله متجها إلى مصر ، وكيف أن اللَّه - تعالى - أمره بتبليغ رسالته إلى فرعون وقومه ، وأنه - عليه السلام - قد لبى أمر ربه - سبحانه - وبلغ رسالته على أتم وجه وأكمله ، فكانت العاقبة الطيبة له ولمن آمن به ، وكانت النهاية الأليمة لفرعون وجنوده .
وهكذا طوفت بنا السورة الكريمة مع قصة موسى - عليه السلام - ذلك التطواف الذي نرى فيه رعاية اللَّه - تعالى - لموسى ، وإعداده لحمل رسالته ، كما نرى فيه نماذج متنوعة لأخلاقه الكريمة ، ولهمته العالية ، ولصبره على تكاليف الدعوة ، ولسنن اللَّه - تعالى - في خلقه ، تلك السنن التي لا تتخلف في بيان أن العاقبة الحسنة للمتقين ، والعاقبة القبيحة للكافرين والفاسقين .
ثم بدأت السورة بعد ذلك في تسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وفي بيان أن هذا القرآن من عند اللَّه ، وفي بيان جانب من شبهات المشركين ، ثم تلقين الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الرد المزهق لها . .
لنستمع إلى الآيات الكريمة التي تحكى لنا بأسلوبها البليغ ، هذه المعاني وغيرها فتقول :
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 44 إلى 51 ]
وما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الأَمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 44 ) ولكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ولكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 45 ) وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ولكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 46 ) ولَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَولَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ( 48 )
قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّه هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 49 ) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواه بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّه إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 50 ) ولَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 51 )
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 411
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤١١