تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
ثم قال - تعالى - : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ ولا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ . « 1 » وقوله - سبحانه - : * ( ولكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ) * بيان للأسباب التي من أجلها قص اللَّه - تعالى - على نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أخبار الأمم السابقة . أي : أنت أيها الرسول الكريم - لم تكن معاصرا لتلك الأحداث ولكن أخبرناك بها عن طريق الوحي ، والسبب في ذلك أن بينك وبين موسى وغيره من الأنبياء أزمانا طويلة ، تغيرت فيه الشرائع والأحكام ، وعميت على الناس الأنباء ، فكان من الخير والحكمة أن نقص عليك أخبار السابقين بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، حتى يعرف الناس الأمور على وجهها الصحيح . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف يتصل قوله : * ( ولكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً ) * بهذا الكلام ؟ قلت : اتصاله به وكونه استدراكا له ، من حيث إن معناه : ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونا طويلة * ( فَتَطاوَلَ ) * على آخرهم : وهو القرن الذي أنت فيهم * ( الْعُمُرُ ) * . أي : أمد انقطاع الوحي ، واندرست العلوم ، فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك وأكسبناك - أي : وأعطيناك - العلم بقصص الأنبياء . . فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب ، على عادة اللَّه - تعالى - في اختصاراته « 2 » وقوله - سبحانه - : * ( وما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ) * مؤكدة لمضمون ما قبله . من عدم معرفة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأخبار السابقين إلا عن طريق الوحي . وقوله : * ( ثاوِياً ) * من الثواء بمعنى الإقامة . يقال : ثوى فلان بالمكان يثوى ثواء فهو ثاو ، إذا أقام فيه . والمثوى : المنزل ، ومنه الأثر القائل : أصلحوا مثاويكم ، أي : منازلكم . أي : وما كنت - أيها الرسول الكريم - مقيما في أهل مدين ، وقت تلاوتك على أهل مكة المكرمة ، قصة موسى والشيخ الكبير وما جرى بينهما ، حتى تنقلها إليهم بطريق المشاهدة وإنما أنت أخبرتهم بها عن طريق وحينا الصادق المتمثل فيما أنزلناه عليك من آيات القرآن البينات .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 249 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 417 .