تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
اتصفت به الأرض بعد نزول المطر عليها ، وصيغة الماضي لا تفيد دوام استحضارها ، لأن الفعل الماضي يفيد انقطاع الشيء . ولم ينصب هذا الفعل المضارع في جواب الاستفهام ، لأن الاستفهام تقريرى فهو في معنى الخبر ، والخبر لا جواب له ، فكأنه قيل : لقد رأيت ، ولأن السببية هنا غير متحققة ، إذ الرؤية لا يتسبب عنها اخضرار الأرض ، وإنما اخضرارها يكون بسبب نزول المطر . وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك فقال : فإن قلت : هلا قيل : فأصبحت ؟ ولم صرف إلى لفظ المضارع ؟ . قلت : لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ، كما تقول : أنعم علىّ فلان عام كذا ، فأروح وأغدو شاكرا له . ولو قلت : فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع . فإن قلت : فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام ؟ . قلت : لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض ، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفى الاخضرار . مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أنى أنعمت عليك فتشكر . إن نصبته فأنت ناف لشكره . شاك تفريطه فيه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله . « 1 » . وقال بعض العلماء ما ملخصه : فإن قيل : كيف قال فتصبح مع أن اخضرار الأرض قد يتأخر عن صبيحة المطر . فالجواب : أن تصبح هنا بمعنى تصير ، والعرب تقول : فلان أصبح غنيا ، أي : صار غنيا ، أو أن الفاء للتعقيب ، وتعقيب كل شيء بحسبه ، كقوله - تعالى - : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً . . . « 2 » مع أن بين كل شيئين أربعين يوما ، كما جاء في الحديث الصحيح . . « 3 » . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( إِنَّ اللَّه لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) * أي : إن اللَّه - تعالى - لطيف بعباده . ومن مظاهر لطفه بهم ، إنزاله المطر على الأرض للانتفاع بما تنبته من كل زوج بهيج ، وهو - تعالى - خبير بأحوال عباده ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة من هذه الأحوال . فإنه - سبحانه - * ( لَه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * خلقا وملكا وتصرفا * ( وإِنَّ اللَّه ) *
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 168 . ( 2 ) سورة المؤمنين الآية 14 . ( 3 ) تفسير أضواء البيان ج 5 ص 742 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 336 | سيد محمد طنطاوي