تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
* ( لَهُوَ الْغَنِيُّ ) * عن كل ما سواه * ( الْحَمِيدُ ) * أي : المستوجب للحمد من كل خلقه . وقوله - تعالى - : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ ، والْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِه ، ويُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِه . . . ) * بيان لألوان أخرى من النعم التي أنعم بها على بني آدم . أي : لقد علمت - أيضا - أيها العاقل ، أن اللَّه - تعالى - سخر لكم يا بني آدم - ما في الأرض من دواب وشجر وأنهار ، وغير ذلك مما تحتاجونه لحياتكم ، وسخر لمنفعتكم السفن التي تجرى في البحر بتقديره وإرادته وإذنه . وهو - سبحانه - الذي يمسك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض ، فتهلك من فيها ، ولو شاء لأذن لها في الوقوع فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها . قال الجمل : وقوله : * ( إِلَّا بِإِذْنِه ) * : الظاهر أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ، وهو لا يقع إلا في الكلام الموجب إلا أن قوله : * ( ويُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ ) * في قوة النفي . أي : لا يتركها تقع في حالة من الأحوال إلا في حالة كونها ملتبسة بمشيئة اللَّه - تعالى - فالباء للملابسة « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) * أي : لكثير الرأفة والرحمة بهم ، ومن علامات ذلك أنه سخر لهم ما في الأرض وسخر لهم الفلك ، وأمسك السماء عنهم ، ولم يسقطها عليهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : إِنَّ اللَّه يُمْسِكُ السَّماواتِ والأَرْضَ أَنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِه ، إِنَّه كانَ حَلِيماً غَفُوراً « 2 » . ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بما هو أجلها وأعظمها فقال : * ( وهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ) * أي : بعد أن كنتم أمواتا في بطون أمهاتكم ، وقبل أن ينفخ بقدرته الروح فيكم . * ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) * أي : بعد انقضاء آجالكم في هذه الحياة * ( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) * أي : عند البعث والحساب . * ( إِنَّ الإِنْسانَ لَكَفُورٌ ) * أي : لكثير الجحود والكفران لنعم ربه التي لا تحصى . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا متعددة من الأدلة على قدرته - سبحانه - ، كما ذكرت ألوانا من نعمه على عباده ، ومن ذلك إنزال الماء من السماء فتصبح
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 178 . ( 2 ) سورة فاطر الآية 41 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 337 | سيد محمد طنطاوي