تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
وعلى كل أمة أدركت بعثة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن تتبعه فيما جاء به من عند ربه ، لأن شريعته هي الشريعة الناسخة لما قبلها ، والمهيمنة عليها . ويرى بعضهم أن المراد بالمنسك هنا : المكان الذي يذبحون فيه ذبائحهم تقربا إلى اللَّه - تعالى - . وقد رجح الإمام ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه : وأصل المنسك في كلام العرب : الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر . يقال : إن لفلان منسكا يعتاده ، يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر . وقد اختلف أهل التأويل في معنى المنسك هنا ، فقيل : عيد ، وقيل : إراقة الدم . . والصواب من القول في ذلك أن يقال : عنى بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى ، لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانت إراقة الدم في هذه الأيام . . . ولذلك قلنا : عنى بالمنسك في هذا الموضع : الذبح . . « 1 » . ويبدو لنا أن القول الأول ، وهو تفسير المنسك بالشريعة الخاصة أقرب إلى الصواب لشموله للذبح وغيره . والضمير في قوله : * ( هُمْ ناسِكُوه ) * يعود لكل أمة . أي : جعلنا لكل أمة شريعة تسير على تعاليمها ، وتنهج على نهجها . . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ ) * لترتيب النهى على ما قبلها . والمنازعة : المجادلة والمخاصمة . والمراد بالأمر : ما جاء به النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من عند ربه - تعالى - من تشريعات وأحكام . أي : قد جعلنا لكل أمة من الأمم السابقة شريعة تتبع تعاليمها ، وما دام الأمر كذلك ، فاسلك أنت وأتباعك - أيها الرسول الكريم - الشريعة التي أوحيناها إليك ، وأمرناك باتباعها ، ولا تلتفت إلى مخاصمة من ينازعك في ذلك من اليهود أو النصارى أو غيرهم ، فإن منازعتهم لك فيما جئت به من عند ربك ، يدل على جهلهم وسوء تفكيرهم ، لأن ما جئت به من عند ربك مصدق لشريعتهم ، ومهيمن عليها وناسخ لها . ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يجب عليه نحو دينه فقال : * ( وادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ) * . أي : وادع هؤلاء الذين ينازعونك فيما جئتهم به من الحق ، وأدع غيرهم معهم إلى ترك التنازع والتخاصم ، وإلى الدخول في دين الإسلام : فإنك أنت على الصراط المستقيم ، الذي
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 17 ص 138 .