والاستفهام للتوبيخ والإنكار ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام .
والمعنى : إن مصارع الغابرين وديارهم ، يمر بها كفار قريش ، ويعرفونها ، فهم يرون في طريقهم إلى الشام قرى صالح وقرى قوم لوط . . قال - تعالى - : وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ « 1 » .
والشأن في هذه الرؤية أن تجعل صاحبها يعتبر ويتعظ ، متى كان عنده قلب يعقل ما يجب فهمه ، أو أذن تسمع ما يجب سماعه وتنفيذه ، ولكن هؤلاء الجاهلين يرون مصارع الغابرين فلا يعقلون ، ولا يعتبرون ، ويسمعون الأحاديث عن تلك الآبار المعطلة ، والقصور الخالية من سكانها ، والمنازل المهدمة ، فلا يتعظون .
وقوله - تعالى - : * ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) * بيان لسبب انطماس بصائرهم ، وقسوة قلوبهم .
والضمير في قوله * ( فَإِنَّها ) * للقصة . أي : فإن الحال أنه لا يعتد بعمى الأبصار ، ولكن الذي يعتد به هو عمى القلوب التي في الصدور ، وهؤلاء المشركون قد أصيبوا بالعمى الذي هو أشنع عمى وأقبحه . وهو عمى القلوب عن الفهم وقبول الحق .
وذكر - سبحانه - أن مواضع القلوب في الصدور ، لزيادة التأكيد ، ولزيادة إثبات العمى لتلك القلوب التي حدد - سبحانه - موضعها تحديدا دقيقا .
قال الآلوسي : فالكلام تذييل لتهويل ما نزل بهم من عدم فقه القلب ، وأنه العمى الذي لا عمى بعده ، بل لا عمى إلا هو ، أو المعنى : إن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها . وإن العمى بقلوبهم ، فكأنه قيل : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ذات بصائر ، فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا بأبصار عيونهم ، وهي الآفة التي كل آفة دونها . كأنه يحثهم على إزالة المرض وينعى عليهم تقاعدهم عنها « 2 » .
ثم أكد - سبحانه - انطماس بصائرهم ، حيث بين أنهم بدل أن يتوبوا إلى اللَّه ويستغفروه ، استعجلوا العذاب فقال : * ( ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ، ولَنْ يُخْلِفَ اللَّه وَعْدَه . وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) * .
أي : أن هؤلاء الطغاة بدل أن يسيروا في الأرض فيعتبروا ويتعظوا ، أخذوا يطلبون منك - أيها الرسول الكريم - نزول العذاب عاجلا ، على سبيل الاستهزاء بك والاستخفاف بما هددناهم به ، ويقولون لك : متى هو ؟ .
هامش
( 1 ) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138 .
( 2 ) تفسير الآلوسي ج 17 ص 167 .