تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
وقال - سبحانه - : * ( وكُذِّبَ مُوسى ) * لأنه لم يكذّب من جميع قومه وهم بنو إسرائيل . وإنما كان المكذب له هو فرعون وملأه ، وللإشارة إلى أن موسى - عليه السلام - قد جاء إلى الناس بآيات واضحات تدل على صدقه ، ومع ذلك فقد قوبل بالتكذيب من فرعون وملئه . ثم بين - سبحانه - ما حل بهؤلاء من عقوبات فقال : * ( فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) * . والإملاء : الإمهال وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « إن اللَّه ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » . والنكير : اسم مصدر بمعنى الإنكار ، يقال : أنكرت على فلان فعله ، إذا ردعته وزجرته عنه . أي : هؤلاء الأقوام الذين كذبوا أنبياءهم ، لم أعاجلهم بالعقوبة ، بل أمهلتهم وأمليت لهم ، ثم أخذتهم أخذ عزيز مقتدر ، فانظر - أيها العاقل - كيف كان إنكاري عليهم ؟ لقد كان إنكارا مخيفا مهلكا فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِه فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْه حاصِباً . ومِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْه الصَّيْحَةُ ، ومِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِه الأَرْضَ ، ومِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ، وما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ ، ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 1 » . وقال - سبحانه - * ( فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ) * بالإظهار دون الإضمار ، لزيادة التشنيع عليهم والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) * للتهويل والتعجيب . أي : لقد كان إنكارا فظيعا حول حياتهم إلى موت ، وعمرانهم إلى خراب ، وغرورهم إلى ذلة وهوان . . فعلى مشركي قريش أن يعتبروا بذلك ويتعظوا . . وإلا فالعاقبة معروفة لهم . وبعد هذا البيان المشتمل على سوء عاقبة هذه الأمم التي كذبت رسلها . . أتبع ذلك - سبحانه - ببيان مصير كثير من الأمم الظالمة فقال : * ( فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وهِيَ ظالِمَةٌ ، فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ، وقَصْرٍ مَشِيدٍ ) * . وكلمة « كأين » مركبة من كاف التشبيه ، ومن أي الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير ، ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها . ومميزها غالبا ما يجر بمن كما في الآية وفي غيرها . قال - تعالى - : وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ . . . « 2 » ، وكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت الآية 40 . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 146 . ( 3 ) سورة يوسف الآية 105 .