تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
قريش قد أسلموا . ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح . ثم قال - رحمه اللَّه - : قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال : قرأ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بمكة سورة النجم ، فلما بلغ هذا الموضع : أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ والْعُزَّى . ومَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى . قال : فألقى الشيطان على لسانه : « تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن ترتجى » . قالوا : - أي المشركون - : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية * ( وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِه . . ) * « 1 » . وجمع - سبحانه - بين الرسول والنبي ، لأن المقصود بالرسول من بعث بكتاب ، وبالنبي من بعث بغير كتاب ، أو المقصود بالرسول من بعث بشرع جديد ، وبالنبي من بعث لتقرير شرع من قبله . ولفظة * ( تَمَنَّى ) * هنا : فسره العلماء بتفسيرين : أولهما : أنه من التّمنّى ، بمعنى محبة الشيء ، وشدة الرغبة في الحصول عليه ، ومفعول « ألقى » محذوف والمراد بإلقاء الشيطان في أمنيته : محاولته صرف الناس عن دعوة الحق ، عن طريق إلقاء الأباطيل في نفوسهم ، وتثبيتهم على ما هم فيه من ضلال . والمعنى : وما أرسلنا من قبلك - يا محمد - من رسول ولا نبي ، إلا إذا تمنى هداية قومه إلى الدين الحق الذي جاءهم به من عند ربه ، ألقى الشيطان الوساوس والشبهات في طريق أمنيته لكي لا تتحقق هذه الأمنية ، بأن يوهم الشيطان الناس بأن هذا الرسول أو النبي ساحر أو مجنون ، أو غير ذلك من الصفات القبيحة التي برأ اللَّه - تعالى - منها رسله وأنبياءه . قال - تعالى - : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِه ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ « 2 » . والآية الكريمة على هذا التفسير واضحة المعنى ، ويؤيدها الواقع ، إذ أن كل رسول أو نبي بعثه اللَّه - تعالى - كان حريصا على هداية قومه ، وكان يتمنى أن يؤمنوا جميعا ، بل إن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كاد يهلك نفسه هما وغما بسبب إصرار قومه على الكفر .
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 428 طبعة دار الشعب . ( 2 ) سورة الذاريات الآيتان 52 ، 53 .