قال الآلوسي : وقوله : * ( فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ ) * منصوب بمضمر يفسره قوله - تعالى - :
* ( أَهْلَكْناها ) * أي : فأهلكنا كثيرا من القرى أهلكناها . . أو مرفوع على الابتداء ، وجملة * ( أَهْلَكْناها ) * خبره .
أي : فكثير من القرى أهلكناها . . وقوله : * ( وهِيَ ظالِمَةٌ ) * جملة حالية من مفعول أهلكنا . . « 1 » .
ولفظ * ( خاوِيَةٌ ) * بمعنى ساقطة أو خالية . يقال خوى البيت يخوى إذا سقط أو خلا ممن يسكنه .
والعروش : جمع عرش وهو سقف البيت ، ويسمى العريش : وكل ما يهيأ ليستظل به فهو عريش .
وبئر معطلة أي : مهجورة لهلاك أهلها ، يقال : بأر فلان الأرض إذا حفرها ليستخرج منها الماء .
والمشيد : المجصص بالشّيد وهو الجصّ . يقال : شاد فلان بيته يشيده ، إذا طلاه بالشّيد .
والمعنى : وكثير من القوى أهلكناها بسبب ظلمهم وكفرهم ، فإذا ما نظرت إليها وجدتها خالية من أهلها ، وقد سقطت سقوفها على جدرانها . وكثير من الآبار التي كانت تتفجر بالماء عطلناها وصارت مهجورة ، وكثير - أيضا - من القصور المشيدة الفخمة أخليناها من أهلها .
وذلك لأنهم كذبوا رسلنا ، وجحدوا نعمنا ، فدمرناهم تدميرا . وجعلنا مساكنهم من بعدهم أثرا بعد عين .
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الوعيد والتهديد لكفار قريش الذين كذبوا الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأعرضوا عن دعوته .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها ورُسُلِه فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً « 2 » .
ثم ينتقل القرآن الكريم من هذا التهديد الشديد ، إلى التوبيخ والتقريع لهؤلاء المشركين ، الذين لا يعتبرون ولا يتعظون فيقول : * ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ، أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها . . ) * .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 17 ص 166 .
( 2 ) سورة الطلاق الآيتان 8 ، 9 .