تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
وقوله * ( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيه الأَبْصارُ ) * استئناف وقع تعليلا للنهي السابق . وقوله « تشخص » من الشخوص بمعنى رفع البصر بدون تحرك يقال شخص بصر فلان - من باب خضع - فهو شاخص ، إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف من شدة الخوف والفزع . والمعنى : ولا تحسبن - أيها الرسول الكريم - أن اللَّه تعالى - تارك عقاب هؤلاء الظالمين ، الذين كذبوك في دعوتك ، كلا لن يترك اللَّه - تعالى - عقابهم ، وإنما يؤخره ليوم هائل شديد ، هو يوم القيامة الذي ترتفع فيه أبصار أهل الموقف ، فلا تطرف أجفانهم من هول ما يرونه . ثم بين - سبحانه - بعض أحوال هؤلاء الظالمين في هذا اليوم العظيم فقال - تعالى - : * ( مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ ، لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ، وأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) * . والإهطاع السير السريع . يقال : أهطع فلان في مشيه فهو يهطع إهطاعا إذا أسرع في سيره بذلة واضطراب . و « مقنعي رؤوسهم » أي رافعيها ، يقال : أهطع فلان رأسه ، إذا نصبه ورفعه دون أن يلتفت يمينا أو شمالا . وقيل ، إقناع الرؤس طأطأتها وانتكاسها . الأفئدة : جمع فؤاد ، والمراد بها القلوب . والمعنى : أن هؤلاء الظالمين يخرجون من قبورهم في هذا اليوم مسرعين إلى الداعي بذلة واستكانة ، كإسراع الأسير الخائف ، رافعي رؤسهم إلى السماء مع إدامة النظر بأبصارهم إلى ما بين أيديهم من غير التفات إلى شيء . « لا يرتد إليهم طرفهم » أي : لا تتحرك أجفان عيونهم ، بل تبقى مفتوحة بدون حراك لهول ما يشاهدونه في هذا اليوم العصيب . « وأفئدتهم هواء » أي : وقلوبهم فارغة خالية عن الفهم ، بحيث لا تعى شيئا من شدة الفزع والدهشة ، ومنه قولهم في شأن الأحمق والجبان قلبهما هواء ، أي لا رأى فيه ولا قوة . وأفرد هواء وإن كان خبرا عن جمع لأنه في معنى فارغة أو خالية . قال - تعالى - وأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً . . . أي خاليا من كل شيء إلا من التفكير في شأن مصير ابنها موسى - عليه السلام - . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد وصف هؤلاء الظالمين في هاتين الآيتين بجملة من الصفات الدالة على فزعهم وحيرتهم . وصفهم أولا بشخوص الأبصار ، ووصفهم ثانيا بالإسراع إلى الداعي في ذلة وانكسار ،