وفي معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات كثيرة ومنها قوله - تعالى - حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ، كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 1 » .
وقوله - تعالى - : ولَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ » « 2 » .
وجملة « أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال » مقول لقول محذوف .
والزوال : الانتقال من مكان إلى آخر ، أو من حال إلى حال ، والمراد به هنا : انتقالهم من قبورهم إلى الحساب يوم القيامة .
والمعنى : أن هؤلاء الظالمين عندما يقولون يا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل .
يقال لهم من قبل اللَّه والملائكة على سبيل التوبيخ والتبكيت : أو لم تكونوا - أيها الظالمون - تقسمون بالأيمان المغلظة في الدنيا ، بأنكم بعد موتكم ستبقون في قبوركم إلى أن تبلى أجسادكم ، وأنه ليس بعد ذلك من بعث ولا حساب ، ولا ثواب ولا عقاب .
قال - تعالى - وأَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّه مَنْ يَمُوتُ « 3 » .
فالجملة الكريمة تحكى رفض مطالبهم بأبلغ أسلوب ، حتى يزدادوا حزنا على حزنهم ، وحسرة على حسرتهم .
وجملة « مالكم من زوال » جواب القسم .
وقوله - سبحانه - : * ( وسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ . . . ) * معطوف على « أقسمتم . . » .
والمراد بالسكنى : الحلول في أماكن الظالمين لوقت يكفى للاتعاظ والاعتبار وكفار قريش كانوا يمرون بديار قوم ثمود في رحلتهم إلى الشام ، وكانوا يحطون رحالهم هناك ، كما كانوا يمرون على ديار قوم عاد في رحلتهم إلى اليمن .
والمعنى : لقد أقسمتم - أيها الضالون - بأنكم ما لكم من انتقال من دار الدنيا إلى دار الآخرة ، وحللتم في مساكن القوم الظالمين .
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون الآيتان 99 - 100 .
( 2 ) سورة السجدة آية 12 .
( 3 ) سورة النحل آية 38 .