تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة ، وأل فيه للاستغراق أي : جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين ، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شيء . وعلى في قوله « على الكبر » للاستعلاء المجازى وهي بمعنى مع . أي : وهب لي مع الكبر الذي لا تحصل معه في الغالب ولادة . وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم ، وقد رزقه اللَّه به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا - ، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل ، وقد رزقه اللَّه به من زوجه ساره . قال الفخر الرازي : « اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة ، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن . وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة ، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة . وإنما ذكر قوله « على الكبر لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم ، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة ، والظفر بالحاجة في وقت اليأس من أعظم النعم ، ولأن الولادة في هذه السن المتقدمة كانت آية لإبراهيم » « 1 » . وجملة « إن ربي لسميع الدعاء » تعليل لجملة « وهب لي على الكبر » أي : وهب لي على الكبر هذين الولدين ، لأنه - سبحانه - سمع دعائي وتقبله ، وأجاب طلبي دون أن يخيبني . فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز في إجابة المطلوب ، ومنه قول القائل : سمع الملك كلام فلان ، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه . وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول . أي : إن ربي يسمع دعائي ويجيبه . ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التي تضرع بها إلى ربه ، بما حكاه اللَّه عنه في قوله : * ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) * . أي : يا رب اجعلني من عبادك الذين يؤدون الصلاة في أوقاتها بإخلاص وخشوع ، واجعل من ذريتي من يقتدى بي في ذلك ، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائي ولا تخيبني في مطلوب أسألك إياه . كما أسألك - يا إلهي - أن تغفر لي ذنوبي ، وأن تغفر لوالدي وللمؤمنين ، يوم يقوم الناس
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 138 .