تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
« وتبين لكم » عن طريق المشاهدة وتواتر الأخبار . « كيف فعلنا بهم » من الإهلاك والتدمير بسبب كفرهم وفسوقهم . « وضربنا لكم الأمثال » بما فعلوه وبما فعلناه بهم ، عن طريق كتابنا ، وعلى لسان رسولنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم . وكان من الواجب عليكم بعد كل ذلك أن تعتبروا وتتعظوا وتثوبوا إلى رشدكم ، وتدخلوا في الإسلام ، ولكنكم كنتم قوما فاسقين ، سائرين على نهج هؤلاء المهلكين في الكفر والفجور ، فاليوم ذوقوا العذاب بسبب جحودكم للحق في الدنيا . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : « أي : قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم ، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر ، ولم يكن فيما أوقعنا بهم مزدجر لكم . قال - تعالى - حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك لونا آخر من ألوان عراقتهم في الكفر والجحود فقال : * ( وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وعِنْدَ اللَّه مَكْرُهُمْ ) * . والمكر : تبييت فعل السوء بالغير وإضماره ، مع إظهار ما يخالف ذلك . وانتصب « مكرهم » الأول على أنه مفعول مطلق لمكروا ، لبيان النوع ، والإضافة فيه من إضافة المصدر لفاعله . أي : أن هؤلاء الظالمين جاءتهم العبر فلم يعتبروا ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم مكروا بالرسول صلى اللَّه عليه وسلم مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحق ، وإحقاق الباطل ، والذي كان من مظاهره محاولتهم قتل الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . وقوله * ( وعِنْدَ اللَّه مَكْرُهُمْ ) * أي : وفي علم اللَّه - تعالى - الذي لا يغيب عنه شيء مكرهم ، وسيجازيهم عليه بما يستحقونه من عذاب مهين . وقوله - تعالى - * ( وإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْه الْجِبالُ ) * قرأ الجمهور « لتزول » - بكسر اللام على أنها لام الجحود والفعل منصوب بعدها . بأن مضمرة وجوبا ، و « إن » في قوله * ( وإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ ) * نافية بمعنى ما . والمعنى : ولقد مكر هؤلاء الكافرون مكرهم الشديد الذي اشتهروا به ، وفي علم اللَّه - تعالى - مكرهم ، وما كان مكرهم - مهما عظم واشتد - لتنتقل منه الجبال من أماكنها ، لأنه
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 434 .