تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
وقوله - سبحانه - * ( قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) * أمر منه - عز وجل - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم بأن يهددهم بهذا المصير الأليم . والتمتع بالشيء : الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين ، تمتعوا بما شئتم التمتع به من شهوات ولذائذ ، فإن مصيركم إلى النار لا محالة . قال صاحب فتح القدير ما ملخصه : قوله « قل تمتعوا » بما أنتم فيه من الشهوات ، وبما زينته لكم أنفسكم من كفران للنعم « فإن مصيركم إلى النار » أي : مرجعكم إليها ليس إلا . ولما كان هذا حالهم ، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يقلعون عنه . جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه ، إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم ، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار . فجملة « فإن مصيركم إلى النار » تعليل للأمر بالتمتع ، وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره . ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل : قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار . والأول أولى والنظم القرآني عليه أدل ، وذلك كما يقال لمن يسعى في مخالفة السلطان : اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف » « 1 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ « 2 » . وقوله - تعالى - : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ « 3 » . وقوله - تعالى - لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمِهادُ « 4 » . وبعد هذا الأمر من اللَّه - تعالى - لنبيه - صلى اللَّه عليه وسلم - بتهديد الكافرين ، وجه - سبحانه - أمرا آخر له صلى اللَّه عليه وسلم طلب منه فيه ، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار في التزود من العمل الصالح فقال - تعالى - : * ( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه ولا خِلالٌ ) * .
هامش
( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 3 ص 109 . ( 2 ) سورة الزمر الآية 8 . ( 3 ) سورة لقمان الآية 24 . ( 4 ) سورة آل عمران الآيتان 196 ، 197 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 557 | سيد محمد طنطاوي