تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
والمعنى : ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين ، الذين قابلوا نعم اللَّه عليهم بالكفر والجحود ، وكانوا سببا في إنزال قومهم دار الهلاك والخسران . وقوله - سبحانه - * ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ الْقَرارُ ) * بيان لدار بوارهم وهلاكهم أي : جهنم يصلون حرها وسعيرها ، وبئس القرار قرارهم فيها . فقوله « جهنم » عطف بيان لدار البوار ، وقوله « يصلونها » في محل نصب حال من « جهنم » يقال : صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها ، وتقول : صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته . والمخصوص بالذم محذوف . أي : بئس القرار هي أي : جهنم . وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار . ثم بين - سبحانه - لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة ، وعقائدهم الباطلة فقال * ( وجَعَلُوا لِلَّه أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِه . . ) * . والأنداد : جمع ند وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه . وأصله من ند البعير يند - بكسر النون - ندا - بالفتح - إذا نفر وذهب على وجهه شاردا . وقوله « ليضلوا » قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله ضالا . أي : أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابلة نعمة اللَّه بالجحود ، وإحلال قومهم دار البوار ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم جعلوا للَّه - تعالى - أمثالا ونظراء ، ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق ، والصراط المستقيم ، الذي هو إخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « ليضلوا » - بفتح الياء - أي : ليستمروا في ضلالهم ، فإنهم حين جعلهم الأنداد للَّه - تعالى - كانوا ضالين ، وجهلوا ذلك فاستمروا في ضلالهم توهما منهم أنهم على صواب . قال صاحب الكشاف : قرئ « ليضلوا » بفتح الياء وضمها . فإن قلت : الضلال لم يكن غرضهم في اتخاذ الأنداد فما معنى اللام ؟ قلت : لما كان الضلال والإضلال نتيجة اتخاذ الأنداد ، كما كان الإكرام في قولك ، جئتك لتكرمنى نتيجة المجيء ، دخلته اللام ، وإن لم يكن غرضا ، على طريق التشبيه والتقريب » « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 378 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 556 | سيد محمد طنطاوي