وقوله * ( سِرًّا وعَلانِيَةً ) * منصوبان على الحال أي : مسرين ومعلنين ، أو على المصدر أي :
إنفاق سر وإنفاق علانية .
وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين في معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء ، ولأنه أستر للمتصدق عليه .
وقوله - سبحانه - * ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه ولا خِلالٌ ) * مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإنفاق في وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء .
ولفظ « خلال » مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت ، أو جمع خليل بمعنى صديق ، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال .
أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإنفاق مما رزقهم - سبحانه - ، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة ، ذلك اليوم الذي لا تقبل فيه المعاوضات ، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه ، وإنما الذي يقبل وينفع في هذا اليوم هو العمل الصالح الذي قدمه المسلم في دنياه .
فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقام الصلاة وعلى الإنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذي تنتهي فيه الأعمال ، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم ، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات .
كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين ، من أعظم القربات التي يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه - والتي تكون سببا في رفع الدرجات يوم القيامة .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ « 1 » .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التي تستوجب شكره وطاعته وإخلاص العبادة له والتي تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - تعالى - * ( اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ . . . ) * .
أي : اللَّه - تعالى - وحده هو الذي أوجد السماوات والأرض وما فيهما من أجرام علوية وسفلية بدون مثال سابق .
وافتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة ، لما في ذلك من تربية المهابة ، ومن لفت أنظار
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية 254 .