تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
الكريم : فضيلة من جهة معانيه ومقاصده وهداياته وحكمه وأحكامه وتشريعاته ، وهو المعبر عنها بكونه « حكما » . وفضيلة من جهة ألفاظه ومفرداته وتراكيبه ، وهي المعبر عنها بكونه « عربيا » . أي : نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات وأغناها وأجملها . ثم في كونه « عربيا » امتنان على العرب المخاطبين به ابتداء ، حيث إنه نزل بلغتهم ، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوه بالفرح والتسليم لأوامره ونواهيه ، فهو الكتاب الذي فيه شرفهم وعزهم ، قال - تعالى - : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيه ذِكْرُكُمْ أي : فيه بقاء شرفكم أَفَلا تَعْقِلُونَ « 1 » . وقال - تعالى - : وإِنَّه لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْئَلُونَ « 2 » . وفي ذلك تعريض بغباء مشركي العرب ، حيث لم يشكروا اللَّه - تعالى - على هذه النعمة ، بل قابلوا من أنزل عليه هذا القرآن بالعناد والعصيان . ثم ساق - سبحانه - تحذيرا للأمة كلها في شخص نبيها صلى اللَّه عليه وسلم من اتباع أهواء كل كافر أو فاسق : فقال - تعالى - : * ( ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ، ما لَكَ مِنَ اللَّه مِنْ وَلِيٍّ ولا واقٍ ) * . واللام في قوله * ( ولَئِنِ ) * موطئة للقسم لتأكيد ما تضمنته من عقاب شديد لمتبع أهواء الكافرين . والأهواء : جمع هوى ، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق ، ومطالبهم المتعنتة ، والمراد بما جاءه من العلم : ما بلغه وعلمه من الدين عن طريق الوحي الصادق . والولي : الناصر والمعين والقريب والحليف . والواقي : المدافع عن غيره . والمعنى : « ولئن اتبعت » - يا محمد - على سبيل الفرض والتقدير أهواء هؤلاء الكافرين فيما يطلبونه منك ، « من بعد ما جاءك من العلم » اليقيني بأن الإسلام هو الدين الحق ، « مالك من اللَّه » أي من عقباه « من ولى » يلي أمرك وينصرك « ولا واق » يقيك من حسابه . وسيق هذا التحذير في صورة الخطاب للرسول صلى اللَّه عليه وسلم للتأكيد من مضمونه . فكأنه - سبحانه يقول : لو اتبع أهواءهم - على سبيل الفرض - أكرم الناس عندي لعاقبته ، وأحق بهذا العقاب من كان دونه في الفضل والمنزلة ، وشبيه بهذه الآية قوله
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء الآية 10 . ( 2 ) سورة الزخرف الآية 44 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 493 | سيد محمد طنطاوي