تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب » « 1 » . والمعنى : يمحو اللَّه - تعالى - ما يشاء محوه ، ويثبت ما يريد إثباته من الخير أو الشر ومن السعادة أو الشقاوة ، ومن الصحة أو المرض ، ومن الغنى أو الفقر ، ومن غير ذلك مما يتعلق بأحوال خلقه . وعنده - سبحانه - الأصل الجامع لكل ما يتعلق بأحوال هذا الكون . قال - تعالى - : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ . . . « 2 » . وقال - تعالى - : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ والأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ « 3 » . وللمفسرين في معنى هذه الآية كلام طويل ، لخصه الإمام الشوكاني تلخيصا حسنا فقال : قوله - سبحانه - : * ( يَمْحُوا اللَّه ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ) * أي يمحو من ذلك الكتاب ويثبت ما يشاء منه ، وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء مما في الكتاب ، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر . . . ويبدل هذا بهذا ، ويجعل هذا مكان هذا . لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وقتادة وغيرهم . وقيل الآية خاصة بالسعادة والشقاوة . وقيل يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة ، وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب . وقيل « يمحو ما يشاء من الشرائع فينسخه ، ويثبت ما لا يشاء فلا ينسخه . . . والأول أولى كما تفيده » ما « في قوله » ما يشاء « من العموم مع تقدم ذكر الكتاب في قوله » لكل أجل كتاب « ومع قوله » وعنده أم الكتاب « أي أصله وهو اللوح المحفوظ . فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ فيكون كالعدم ، ويثبت ما يشاء مما فيه فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته . وهذا لا ينافي ما ثبت عنه صلى اللَّه عليه وسلم من قوله « جفّ القلم » ، وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه - سبحانه - . وقيل : إن أم الكتاب هو علم اللَّه - تعالى - : بما خلق وبما هو خالق « 4 » .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 66 . ( 2 ) سورة الحديد الآية 22 . ( 3 ) سورة الحج الآية 70 . ( 4 ) تفسير الشوكاني ج 3 ص 88 .