تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
وقوله - سبحانه - * ( وإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وعَلَيْنَا الْحِسابُ ) * حض له صلى اللَّه عليه وسلم على المضي في دعوته بدون تسويف أو تأجيل . و « ما » في قوله « وإما نرينك » مزيدة لتأكيد معنى الشرط ، والأصل : وإن نرك ، والإراءة هنا بصرية ، والكاف مفعول أول ، وبعض الذي نعدهم : مفعول ثان ، وجواب الشرط ، محذوف . والمعنى : وإما نرينك - يا محمد - بعض الذي توعدنا به أعداءك من العذاب الدنيوي ، فذاك شفاء لصدرك وصدور أتباعك . وقوله « أو نتوفينك » شرط آخر لعطفه على الشرط السابق ، وجوابه - أيضا - محذوف والتقدير : أو نتوفينك قبل ذلك فلا تهتم ، واترك الأمر لنا . وقوله : * ( فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ) * تعليل لهذا الجواب المحذوف ، أي : سواء أرأيت عذابهم أم لم تره ، فإنما عليك فقط تبليغ ما أمرناك بتبليغه للناس . * ( وعَلَيْنَا ) * وحدنا * ( الْحِسابُ ) * أي : محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم السيئة . وقوله - سبحانه - : * ( بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ) * للإشارة إلى أن ما يصيبهم من عذاب دنيوي هو بعض العذاب المعد لهم ، أما البعض الآخر وهو عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى . ولقد صدق اللَّه - تعالى - وعده لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم فأراه قبل أن يفارق هذه الدنيا ، جانبا من العذاب الذي أنزله بأعدائه ، فسلط على مشركي مكة الجدب والقحط الذي جعلهم يأكلون العظام والميتة والجلود . كما سلط عليهم المؤمنين فهزموهم في غزوة بدر وفي غزوة الفتح وفي غيرهما . ثم وبخ - سبحانه - المشركين لعدم تفكرهم وتدبرهم واتعاظهم بآثار من قبلهم ، فقال - تعالى - : * ( أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها . . . ) * . والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام . والخطاب لمشركي مكة ومن كان على شاكلتهم في الكفر والضلال . والمراد بالأرض هنا : أرض الكفرة والظالمين . والأطراف جمع طرف وهو جانب الشيء . والمعنى : أعمى هؤلاء الكافرون عن التفكير والاعتبار ، ولم يروا كيف أن قدرة اللَّه القاهرة ، قد أتت على الأمم القوية الغنية - حين كفرت بنعمه - سبحانه - ، فصيرت قوتها ضعفا وغناها فقرا ، وعزها ذلا ، وأمنها خوفا . . . وحصرتها في رقعة ضيقة من الأرض ، بعد أن
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 496 | سيد محمد طنطاوي