به ، كما قال تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَه حَقَّ تِلاوَتِه أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِه ، ومَنْ يَكْفُرْ بِه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ « 1 » .
وقوله : * ( ومِنَ الأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَه ) * بيان لمن بقي على كفره من أهل الكتاب وغيرهم . والأحزاب : جمع حزب ويطلق على مجموعة من الناس اجتمعوا من أجل غاية معينة أي : ومن أحزاب الكفر والضلال من ينكر بعض ما أنزل إليك لأنه يخالف أهواءهم وأطماعهم وشهواتهم . . . ولم يذكر القرآن هذا البعض الذي ينكرونه ، إهمالا لشأنهم ، ولأنه لا يتعلق بذكره غرض .
وقوله - سبحانه - : * ( قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّه ولا أُشْرِكَ بِه ، إِلَيْه أَدْعُوا وإِلَيْه مَآبِ ) * أمر منه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم بأن يصدع بما يأمره دون تردد أو وجل .
أي : قل - أيها الرسول الكريم - لكل من خالفك فيما تدعو إليه « إنما أمرت أن أعبد اللَّه » وحده « ولا أشرك به » بوجه من الوجوه إليه وحده « أدعو » الناس لكي يخلصوا له العبادة والطاعة « وإليه مآب » أي وإليه وحده إيابى ومرجعي لا إلى أحد غيره .
فالآية تضمنت المدح لمن عرف الحق ففرح بوجوده . والذم لمن أنكره جحودا وعنادا ، والأمر للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بالسير في طريقه بدون خشية من أحد .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك بعض الفضائل التي امتاز بها القرآن الكريم فقال - تعالى - : * ( وكَذلِكَ أَنْزَلْناه حُكْماً عَرَبِيًّا . . . ) * .
والكاف للتشبيه ، واسم الإشارة يعود إلى الإنزال المأخوذ من * ( أَنْزَلْناه ) * وضمير الغائب في أنزلناه يعود إلى * ( بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) * في قوله في الآية السابقة * ( يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ . . . ) *
وقوله * ( حُكْماً عَرَبِيًّا ) * حالان من ضمير الغائب .
والمعنى : ومثل ذلك الإنزال البديع الجامع لألوان الهداية والإعجاز ، أنزلنا عليك القرآن يا محمد * ( حُكْماً ) * أي : حاكما بين الناس * ( عَرَبِيًّا ) * أي : بلسان عربي مبين هو لسانك ولسان قومك .
ومنهم من يرى أن اسم الإشارة يعود إلى الكتب السماوية السابقة ، فيكون المعنى :
وكما أنزلنا الكتب السماوية على بعض رسلنا بلغاتهم وبلغات أقوامهم أنزلنا عليك القرآن حاكما بين الناس بلغتك وبلغة قومك ، وهي اللغة العربية ليسهل عليهم فهمه وحفظه .
وعلى كلا القولين فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد اشتملت على فضيلتين للقرآن
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 377 .