تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
و * ( أَمْ ) * هنا منقطعة بمعنى بل التي للإضراب وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر والافتراء : الكذب المتعمد الذي لا توجد أدنى شبهة لقائله . والمعنى : إن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بما طلبوه منك يا محمد ، بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أشد جرما ، وهو قولهم إنك افتريت القرآن الكريم ، واخترعته من عند نفسك . وقوله : * ( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه مُفْتَرَياتٍ ، وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّه . . . ) * أمر من اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويكبت نفوسهم . أي : قل لهم يا محمد على سبيل التحدي : إن كان الأمر كما تزعمون من أنى قد افتريت هذا القرآن ، فأنا واحد منكم وبشر مثلكم فهاتوا أنتم عشر سور مختلقات من عند أنفسكم ، تشبه ما جئت به في حسن النظم ، وبراعة الأسلوب ، وحكمة المعنى ، وادعوا لمعاونتكم في بلوغ هذا الأمر كل من تتوسمون فيه المعاونة غير اللَّه - تعالى - لأنه هو - سبحانه - القادر على أن يأتي بمثله . وجواب الشرط في قوله - سبحانه - * ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * محذوف دل عليه ما تقدم . أي : إن كنتم صادقين في زعمكم أنى افتريت هذا القرآن ، فهاتوا أنتم عشر سور مثله مفتريات من عند أنفسكم . والمتأمل لآيات القرآن الكريم ، يرى أن اللَّه - تعالى - قد تحدى المشركين تارة بأن يأتوا بمثله كما في سورتي الإسراء والطور . ففي سورة الإسراء يقول - سبحانه - قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » وفي سورة الطور يقول - سبحانه - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِه إِنْ كانُوا صادِقِينَ « 2 » . وتارة تحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله كما في هذه السورة ، وتارة تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله كما في سورتي البقرة ويونس ، ففي سورة البقرة وإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه . . . « 3 » وفي سورة يونس يقول - سبحانه - : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراه قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه ، وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 4 » . وقد عجزوا عن الإتيان بمثل أقصر سورة ، وهم من هم في فصاحتهم ، فثبت أن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - . وقوله - سبحانه - * ( فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّه ، وأَنْ لا إِله إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) *
هامش
( 1 ) الآية 88 . ( 2 ) الآية 34 . ( 3 ) الآية 23 . ( 4 ) الآية 38 .