تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
بأن الخطاب للمشركين ، لأن سياق الآيات السابقة في شأنهم فلأن يكون الخطاب لهم هنا أولى . ثم بين - سبحانه - سوء مصير الذين لا يريدون بأقوالهم وأعمالهم وجه اللَّه - تعالى - فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 15 إلى 16 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 16 ) أي : من كان يريد بأقواله الحسنة وبأعماله الطيبة على حسب الظاهر ، الحصول على ( الحياة الدنيا وزينتها ) من مال وجاه ومنصب وغير ذلك من المتع الدنيوية ، بدون التفات إلى ما يقربه من ثواب الآخرة . من كانوا يريدون ذلك * ( نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها ) * أي : نوصل إليهم - بإرادتنا ومشيئتنا - ثمار جهودهم وأعمالهم في هذه الدنيا . والتعبير بكان في قوله * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ . . . ) * يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا بأعمالهم ، بدون تطلع إلى خير الآخرة . وعدى الفعل * ( نُوَفِّ ) * بإلى ، مع أنه يتعدى بنفسه ، لتضمينه معنى نوصل . وقوله - سبحانه - * ( وهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ) * تذييل قصد به تأكيد ما سبقه ، وتبيين مظهر من مظاهر عدل اللَّه - تعالى - مع عباده في دنياهم . والبخس : نقص الحق ظلما . يقال : بخس فلان فلانا حقه إذا ظلمه ونقصه . أي : وهم في هذه الدنيا لا ينقصون شيئا من نتائج جهودهم وأعمالهم ، حتى ولو كانت جهودا لا إخلاص معها ولا إيمان . ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم في الآخرة فقال : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * . أي : أولئك الذين أرادوا بأقوالهم وأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها ، ليس لهم في الآخرة إلا النار ، لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة في الدنيا وبقيت عليهم أوزار نياتهم السيئة في الآخرة .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 176 | سيد محمد طنطاوي