تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
* ( وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها ) * أي : وفسد ما صنعوه في الدنيا من أعمال الخير ، لأنهم لم يقصدوا بها وجه اللَّه - تعالى - وإنما قصدوا بها الرياء ورضى الناس . . . وقوله * ( وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * أي : وباطل في نفسه ما كانوا يعملونه في الدنيا من أعمال ظاهرها البر والصلاح ، لأنه لا ثمرة له ولا ثواب في الآخرة لأن الأعمال بالنيات ، ونيات هؤلاء المرائين ، لم تكن تلتفت إلى ثواب اللَّه ، وإنما كانت متجهة اتجاها كليا إلى الحياة الدنيا وزينتها ، إلى إرضاء المخلوق لا الخالق . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَه فِي حَرْثِه ، ومَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِه مِنْها وما لَه فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ « 1 » . وقوله - تعالى - : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَه فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ، ثُمَّ جَعَلْنا لَه جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً . ومَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً . كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً . انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ، ولَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وأَكْبَرُ تَفْضِيلًا « 2 » . هذا ومن العلماء من يرى أن هاتين الآيتين مسوقتان في شأن الكفار ومن على شاكلتهم من الضالة كاليهود والنصارى والمنافقين . . . لأن قوله - تعالى - * ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ . . . ) * لا يليق إلا بهم . والذي نراه أن هاتين الآيتين تتناولان الكفار ومن على شاكلتهم تناولا أوليا ، ولكن هذا لا يمنع من أنهما يندرج تحت وعيدهما كل من قصد بأقواله وأعماله الحياة الدنيا وزينتها ، ونبذ كل معاني الإخلاص والطاعة للَّه رب العالمين . ومما يشهد لذلك أن هناك أحاديث كثيرة ، حذرت من الرياء ، وتوعدت مقترفه بأشد أنواع العقوبات ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « من تعلم علما مما يبتغى به وجه اللَّه ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة » - أي رائحتها - « 3 » . وصفوة القول : أن الآيتين الكريمتين تسوقان سنة من سنن اللَّه مع عباده في هذه الدنيا ، هي أن اللَّه - تعالى - لا ينقص الناس شيئا من ثمار جهودهم وأعمالهم في هذه الدنيا ، إلا أن هذه الجهود وتلك الأعمال التي ظاهرها الصلاح ، إن كان المقصود بها الحياة الدنيا وزينتها
هامش
( 1 ) سورة الشورى الآية 20 . ( 2 ) سورة الإسراء الآيات من 17 - 20 . ( 3 ) من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي من باب « تحريم الرياء » ص 619 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 177 | سيد محمد طنطاوي