على المضي في تبليغ دعوته .
أي : سر في طريقك - أيها الرسول الكريم - غير مبال بما يصدر عنهم من مضايقات لك ، واللَّه - تعالى - حافظ لأحوالك وأحوالهم ، وسيجازيهم بالجزاء الذي يتناسب مع جرائمهم وكفرهم .
والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تعبر أكمل تعبير عن الفترة الحرجة التي نزلت فيها هذه السورة الكريمة ، فقد سبق أن قلنا عند التعريف بها ، إنها نزلت في الفترة التي أعقبت وفاة النصيرين الكبيرين للرسول صلى اللَّه عليه وسلم وهما أبو طالب وخديجة - رضى اللَّه عنها - وكانت هذه الفترة من أشق الفترات على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم حيث تكاثر فيها إيذاء المشركين له ولأصحابه . .
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة تحث النبي صلى اللَّه عليه وسلم على الثبات والصبر ، وعلى تبليغ ما يوحى اليه ، مع عدم المبالاة بما يضعه المشركون في طرقه من عقبات . .
هذا ، وقد سبق أن بينا عند التعريف بهذه السورة - أيضا - أن من العلماء من يرى أن هذه الآية مدنية ، ولعلك معي - أيها القارئ الكريم - في أنه لا يوجد أي دليل نقلي أو عقلي يؤيد ذلك ، بل الذي تؤيده الأدلة ويؤيده سبب النزول أن الآية مكية كبقية السورة .
وهناك آيات أخرى مكية تشبه هذه الآية في أسلوبها وموضوعها ، ومن هذه الآيات قوله - تعالى - : وقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي فِي الأَسْواقِ ، لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْه مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَه نَذِيراً . أَوْ يُلْقى إِلَيْه كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَه جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها . . . « 1 » .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك زعما آخر من مزاعمهم الكثيرة ، وهو دعواهم أن القرآن مفترى ، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من أمثال هذا القرآن المفترى في زعمهم ، فقال - تعالى - :
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 13 إلى 14 ]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراه قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّه وأَنْ لا إِله إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 14 )
هامش
( 1 ) سورة الفرقان الآيتان 7 ، 8 .