تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
والمراد ببعض ما يوحى إليه صلى اللَّه عليه وسلم في قوله - سبحانه - * ( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ ) * : ما نزل عليه : من قرآن فيه استهزاء بآلهتهم ، وتسفيه لعقولهم التي استساغت أن تشرك مع اللَّه - تعالى - في عبادتها آلهة أخرى » . والضمير المجرور في قوله - سبحانه - * ( وضائِقٌ بِه صَدْرُكَ ) * يعود إلى البعض الموحى به ، وقيل يعود للتبليغ ، وقيل للتكذيب . وجملة * ( أَنْ يَقُولُوا ) * في محل نصب على أنها مفعول لأجله ، أي : كراهة أو خشية أن يقولوا . والكنز : يطلق على المال الكثير المجموع بعضه إلى بعض سواء أكان في بطن الأرض أم في ظهرها ، ومرادهم بإنزاله هنا : أن ينزل على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم من السماء مال كثير يغنيه هو وأصحابه ، ويجعلهم في رغد من العيش ، بدل ما يبدو على بعضهم من فقر وفاقة . . والمعنى : ليس خافيا علينا - أيها الرسول الكريم - ما يفعله المشركون معك ، من تكذيب لدعوتك ، ومن جحود لرسالتك ، ومن مطالب متعنتة يطلبونها منك . . . ليس خافيا علينا شيئا من ذلك ، ولعلك إزاء مسالكهم القبيحة هذه ، تارك تبليغ بعض ما يوحى إليك ، وهو ما يثير غضبهم ، وضائق صدرك بهذا التبليغ ، كراهة تكذيبهم لوحى اللَّه ، واستهزائهم بدعوتك ، وقولهم لك على سبيل التعنت : هلا أنزل إليك من السماء مال كثير تستغني به وتغنى أتباعك ، وهلا كان معك ملك يصاحبك في دعوتك ، ويشهد أمامنا بصدقك . ويؤيدك في تحصيل مقصودك . . لا - أيها الرسول الكريم - لا تترك شيئا من تبليغ ما أمرك اللَّه بتبليغه لهؤلاء المشركين ، ولا يضيق صدرك بأفعالهم الذميمة ، وبأقوالهم الباطلة ، بل واصل دعوتك لهم إلى طريق الحق ، فما عليك إلا الإنذار ، أما نحن فإلينا إيابهم ، وعلينا حسابهم . وعبر - سبحانه - عن تأثر الرسول صلى اللَّه عليه وسلم من مواقفهم المتعنتة باسم الفاعل * ( ضائِقٌ ) * لا بالصفة المشبهة « ضيق » لمراعاة المقابل وهو قوله * ( تارِكٌ ) * ، وللإشارة إلى أن هذا الضيق مما يعرض له صلى اللَّه عليه وسلم أحيانا ، وليس صفة ملازمة له ، لأن اسم الفاعل يقتضى الحدوث والانقطاع ، بخلاف الصفة المشبهة فتقتضى الثبات والدوام . وأبرز - سبحانه - هنا صفة الإنذار للرسول صلى اللَّه عليه وسلم مع أن وظيفته الإنذار والتبشير ، لأن المقام هنا يستوجب ذلك ، إذ أن هؤلاء المشركين قد تجاوزوا كل حد في الإساءة إليه صلى اللَّه عليه وسلم . وقوله - سبحانه - * ( واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) * تذييل قصد به زيادة تثبيته وتحريضه