تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
لأن تصديقنا لكما يخرجنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا ، وينزع منا ملكنا الذي تتمتع بكبريائه خاصتنا ، وتعيش تحت سلطانه وقهره عامتنا . وأفردوا موسى - عليه السلام - بالخطاب في قولهم * ( أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا . . ) * لأنه هو الذي كان يجابههم بالحجج التي تقطع دابر باطلهم ، ويرد على أكاذيبهم بما يفضحهم ويكشف عن غرورهم وغبائهم . وجمعوا بين موسى وهارون - عليهما السلام - في قولهم * ( وتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الأَرْضِ ، وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ) * باعتبار شمول الكبرياء والرياسة والملك لهما ، وباعتبار أن الإيمان بأحدهما يستلزم الإيمان بالآخر . هذا ، والذي يتدبر هذه الآية الكريمة ، يرى أن التهمة التي وجهها فرعون وملؤه إلى موسى وهارون - عليهما السلام - ، هي تهمة قديمة جديدة فقوم نوح - مثلا - يمتنعون عن قبول دعوته ، لأنه في نظرهم جاء بما جاء به بقصد التفضل عليهم ، وفي هذا يقول القرآن الكريم : ولَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِه فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّه ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُه ، أَفَلا تَتَّقُونَ . فَقالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه ، ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ « 1 » . أي : يريد أن تكون له السيادة والفضل عليكم ، فيكون زعيما وأنتم له تابعون . ولقد أفاض في شرح هذا المعنى صاحب الظلال - رحمه اللَّه - عند تفسيره لهذه الآية الكريمة فقال ما ملخصه : وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة ، التي يقوم عليها نظامهم السياسي والاقتصادى ، وهو الخوف على السلطان في الأرض ، هذا السلطان الذي يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة . إنها العلة القديمة الجديدة التي تدفع بالطغاة إلى مقاومة دعوات الإصلاح ورمى الدعاة بأشنع التهم والفجور في مقاومة الدعوات والدعاة . . إنها هي « الكبرياء في الأرض » وما تقوم عليه من معتقدات باطلة ، يحرص المتجبرون على بقائها متحجرة في قلوب الجماهير ، بكل ما فيها من زيف وفساد ، وأوهام وخرافات ، لأن تفتح القلوب على العقيدة الصحيحة ، خطر على القيم الجاهلية الموروثة . وما كان رجال من أذكياء قريش - مثلا - ليخطئوا إدراك ما في رسالة محمد صلى اللَّه عليه وسلم من صدق وسمو ، وما في عقيدة الشرك من تهافت وفساد ، ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون الآيتان 23 ، 24 .