تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
وقال الجمل : « قوله - تعالى - * ( قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ . . ) * أي : قال جملا ثلاثة : الأولى : * ( أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ ) * والثانية * ( أَسِحْرٌ هذا ) * والثالثة * ( ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ) * . وقوله * ( لِلْحَقِّ ) * أي في شأنه ولأجله ، وقوله * ( لَمَّا جاءَكُمْ ) * أي : حين مجيئه إياكم من أول الأمر من غير تأمل وتدبر ، وهذا مما ينافي القول المذكور . وقوله : * ( قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ ) * هنا مقول القول محذوف لدلالة ما قبله عليه ، وإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتفوه به . وقوله - سبحانه - حكاية عن موسى * ( أَسِحْرٌ هذا ) * مبتدأ وخبر ، وهو استفهام إنكاري مستأنف من جهته - عليه السلام - تكذيبا لقولهم ، وتوبيخا إثر توبيخ ، وتجهيلا بعد تجهيل » « 1 » . وقوله : * ( ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ) * جملة حالية من ضمير المخاطبين ، وقد جيء بها تأكيدا للإنكار السابق ، وما فيه من معنى التوبيخ والتجهيل . أي : أتقولون للحق إنه سحر ، والحال أنه لا يفلح فاعله ، أي : لا يظفر بمطلوب ، ولا ينجو من مكروه ، وأنا قد أفلحت ، وفزت بالحجة ، ونجوت من الهلكة . ثم كشف القرآن الكريم عن حقيقة الدوافع التي جعلتهم يصفون الحق بأنه سحر مبين فقال - تعالى - : * ( قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْه آباءَنا وتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الأَرْضِ ، وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ) * . واللفت : الصرف واللى يقال : لفته يلفته لفتا ، أي : صرفه عن وجهته إلى ذات اليمين أو الشمال . أي : قال فرعون وملؤه لموسى - عليه السلام - بعد أن جاءهم بالحق المبين : أجئتنا يا موسى بما جئتنا به * ( لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْه آباءَنا ) * أي : لتصرفنا عن الدين الذي وجدنا عليه آباءنا ، وتكون لك ولأخيك هارون * ( الْكِبْرِياءُ فِي الأَرْضِ ) * أي السيادة والرياسة والزعامة الدينية والدنيوية في الأرض بصفة عامة ، وفي أرض مصر بصفة خاصة . ثم أكدوا إنكارهم لما جاءهم به موسى - عليه السلام - من الدين الحق فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - * ( وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ) * أي وما نحن لكما بمصدقين فيما جئتما به ،
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 365 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 113 | سيد محمد طنطاوي