تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
فنقل عن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر . قالوا : والسبب في اختصاص بدر بهذا الحكم أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان حاضرا يوم بدر . . وأنه - سبحانه - شدد الأمر على أهل بدر ، لأنه كان أول الجهاد ، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه لزم منه الخلل العظيم . والقول الثاني : أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاما في جميع الحروب بدليل أن قوله - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . ) * عام فيتناول جميع الصور . أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر ، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب » « 1 » . وهذا القول الثاني هو الذي نرجحه ، لأن ظاهر الآية يفيد العموم لكل المؤمنين في كل زمان ومكان ، ولأن سورة الأنفال كلها قد نزلت بعد الفراغ من غزوة بدر لا قبل الدخول فيها . 3 - أن الآيتين محكمتان وليستا منسوختين . أي أن تحريم التولي يوم الزحف على غير المتحرف أو المتحيز ثابت لم ينسخ . وقد رجح ذلك الإمام ابن جرير فقال ما ملخصه : « سئل عطاء بن أبي رباح عن قوله * ( ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَه ) * فقال : هذه الآية منسوخة بالآية التي في الأنفال بعد ذلك وهي قوله - تعالى - : الآنَ خَفَّفَ اللَّه عَنْكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ . . . وليس لقوم أن يفروا من مثليهم . وقال آخرون : بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو منهزما . وأولى التأويلين بالصواب في هذه الآية عندي : قول من قال : حكمها محكم ، وأنها نزلت في أهل بدر . وحكمها ثابت في جميع المؤمنين . وأن اللَّه حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف القتال ، أو التحيز إلى فئة من المؤمنين ، حيث كانت من أرض الإسلام ، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتال منهزما - بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح اللَّه التولية بهما - فقد استوجب من اللَّه وعيده ، إلا أن يتفضل عليه بعفوه . وإنما قلنا : هي محكمة غير منسوخة ، لما قد بينا في غير موضع ، أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ وله في غير النسخ وجه ، إلا بحجة يجب التسليم لها : من خبر يقطع العذر ، أو حجة عقل ، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قوله - تعالى - * ( ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَه إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ ، أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه ) * « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 9 ص 203 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 9 ص 203 .