تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
قوله - سبحانه - * ( زَحْفاً ) * : مصدر زحف وأصله للصبي ، وهو أن يزحف على استه قبل أن يمشى . ثم أطلق على الجيش الكثيف المتوجه لعدوه لأنه لكثرته وتكاتفه يرى كأنه جسم واحد يزحف ببطء وإن كان سريع السير . قال الجمل : وفي المصباح : زحف القوم زحفا وزحوفا . ويطلق على الجيش الكثير زحف تسمية بالمصدر والجمع زحوف مثل فلس وفلوس . ونصب قوله : * ( زَحْفاً ) * على أنه حال من المفعول وهو * ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) * أي إذا لقيتم الذين كفروا حال كونهم زاحفين نحوكم . والأدبار : جمع دبر - بضمتين - وهو الخلف ، ومقابله القبل وهو الأمام ، ويطلق لفظ الدبر على الظهر وهو المراد هنا . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا باللَّه إيمانا حقا * ( إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * زاحفين نحوكم لقتالكم * ( فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبارَ ) * أي . فلا تفروا منهم ، ولا تولوهم ظهوركم منهزمين ، بل قابلوهم بقوة وغلظة وشجاعة ، فإن من شأن المؤمن أن يكون شجاعا لا جبانا ، ومقبلا غير مدبر . فالمراد من تولية الأدبار : الانهزام ، لأن المنهزم يولى ظهره وقفاه لمن انهزم منه . وعدل من لفظ الظهور إلى الأدبار ، تقبيحا للانهزام ، وتنفيرا منه ، لأن القبل والدبر يكنى بهما عن السوءتين . ثم بين - سبحانه - أن تولية الأدبار محرمة إلا في حالتين فقال - تعالى - : * ( ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَه إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه ، ومَأْواه جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * . وقوله : * ( مُتَحَرِّفاً ) * من التحرف بمعنى الميل والانحراف من جهة إلى جهة بقصد المخادعة في القتال وهو منصوب على الحالية . وقوله * ( أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ) * من التحيز بمعنى الانضمام . تقول : حزت الشيء أحوزه إذا ضممته إليك . وتحوزت الحية أي انطوت على نفسها . والفئة : الجماعة من الناس . سميت بذلك لرجوع بعضهم إلى بعض في التعاضد
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 61 | سيد محمد طنطاوي