تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
والمعنى : إنكم - أيها المؤمنون - لم تقتلوا المشركين في بدر بقوتكم وشجاعتكم ، ولكن اللَّه - تعالى - هو الذي أظفركم بحوله وقوته ، بأن خذلهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، وقوى قلوبكم ، وأمدكم بالملائكة ، ومنحكم من معونته ورعايته ما بلغكم هذا النصر . والفاء في قوله : * ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ . . ) * يرى صاحب الكشاف أنها جواب شرط محذوف تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم * ( ولكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ ) * لأنه هو الذي أنزل الملائكة ، وألقى الرعب في قلوبهم ، وشاء النصر والظفر وأذهب عن قلوبكم الفزع والجزع . وقوله : * ( وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّه رَمى ) * خطاب للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بطريق التلوين . أي : * ( وما رَمَيْتَ ) * بالرعب في قلوب الأعداء * ( إِذْ رَمَيْتَ ) * في وجوههم بالحصباء يوم بدر * ( ولكِنَّ اللَّه ) * - تعالى - هو الذي * ( رَمى ) * بالرعب في قلوبهم فهزمهم ونصركم عليهم . أو المعنى : ما أوصلت الحصباء إلى أعينهم إذ رميتهم بها ، ولكن اللَّه هو الذي أوصلها إليها . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة : يعنى أن الرمية التي رميتها - يا محمد - لم ترمها أنت على الحقيقة ، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر ، ولكنها كانت رمية اللَّه ، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم . . فأثبت الرمية لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه ، ونفاها عنه ، لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل اللَّه - عز وجل - ، فكان اللَّه - تعالى - هو فاعل الرمية على الحقيقة ، وكأنها لم توجد من الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أصلا « 1 » . وقال الآلوسي : واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه - تعالى - وإنما لهم كسبها ومباشرتها وقال الإمام : أثبت - سبحانه - كونه صلى اللَّه عليه وسلم راميا ، ونفى كونه راميا ، فوجب حمله على أنه صلى اللَّه عليه وسلم رمى كسبا ، واللَّه - تعالى - رمى خلقا « 2 » . فإن قيل : لما ذا ذكر مفعول القتل منفيا ومثبتا ولم يذكر للرمي مفعول قط ؟ فالجواب - كما يقول أبو السعود - : « أن المقصود الأصلي بيان حال الرمي نفيا وإثباتا ، إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر ، وهو المنشأ لتغير المرمى به في نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عيني كل واحد من أولئك الأمة الجمة شيء من ذلك » « 3 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْه بَلاءً حَسَناً ) * بيان لبعض وجوه حكمته - سبحانه - في خذلان الكافرين ، ونصر المؤمنين .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 207 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 9 ص 185 . ( 3 ) تفسير أبى السعود ج 2 ص 223 .