تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
حضر هو يوم بدر - وجميع الروايات تذكر أنه كان على رأس الملائكة - فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار ؟ بل أي حاجة حينئذ إلى إرسال سائر الملائكة ؟ وأيضا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين ، وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم . وأيضا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا . . وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ، ولم يقل أحد بذلك . . وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤس ، وتمزيق البطون ، وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ، ومثل هذا من أعظم المعجزات ، فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين المسلم والكافر والموافق والمخالف . . . » « 1 » . وقال صاحب المنار : مقتضى السياق أن وحى اللَّه للملائكة * ( وما جَعَلَه اللَّه إِلَّا بُشْرى ) * إلخ . وقوله - تعالى - * ( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ . . ) * إلخ بدء كلام خوطب به النبي صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنون تتمة للبشرى . فيكون الأمر بالضرب موجها إلى المؤمنين قطعا ، وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعا لما قبله من الآيات . ثم قال : وفي كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا ، فهل تعارض هذه البينات النقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل . كفانا اللَّه شر هذه الروايات الباطلة التي شوهت التفسير وقلبت الحقائق ، حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه فاللَّه - تعالى - يقول في إمداد الملائكة * ( وما جَعَلَه اللَّه إِلَّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِه قُلُوبُكُمْ . . ) * وهذه الروايات تقول بل جعله مقاتلة ، وإن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم اللَّه بما ذكر من أسباب النصر المتعددة . ألا إن في هذا من تعظيم شأن المشركين ، وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم ما لا يصدر عن عاقل ، إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند ، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الآلوسي وغيره بغير سند . وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لأنه كان صغيرا ، فرواياته عنها حتى في الصحيح مرسلة . « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 4 ص 113 . ( 2 ) تفسير المنار ج 9 ص 565 .