وسمى - سبحانه - الكفر رجسا ، لأنه أقبح الأشياء وأسوؤها .
وقوله : * ( وماتُوا وهُمْ كافِرُونَ ) * تذييل قصد به بيان سوء عاقبتهم في الآخرة بعد بيان سوء أعمالهم في الدنيا .
أي : لقد قضى هؤلاء المنافقون حياتهم في الكفر والفسوق والعصيان ، ثم لم يتوبوا عن ذلك ولم يرجعوا عنه ، بل ماتوا على الكفر والنفاق .
وقوله : * ( أَولا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ . . ) * توبيخ لهم على قسوة قلوبهم ، وانطماس بصيرتهم ، وغفلتهم عما يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ .
أي : أبلغ الجهل والسفه وعمى البصيرة بهؤلاء ، أنهم صاروا لا يعتبرون ولا يتعظون بما حاق من فتن واختبارات وابتلاءات ، تنزل بهم في كل عام مرة أو مرتين ؟
ومن هذه الفتن والامتحانات : كشف مكرهم عن طريق اطلاع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على ما يضمرونه من سوء ، وما يقولونه من منكر ، وما يفعلونه من أفعال خبيثة ، وحلول المصائب والأمراض بهم ، ومشاهدتهم لانتصار المؤمنين وخذلان الكافرين .
قال الآلوسي : والمراد من المرة والمرتين - على ما صرح به بعضهم - مجرد التكثير ، لا بيان الوقوع على حسب العدد المذكور .
وقوله : * ( ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) * بيان لرسوخهم في الجهل والجحود .
أي : ثم بعد كل هذه الفتن النازلة بهم ، لا يتوبون من نفاقهم « ولا هم يذكرون » ويتعظون ، بل يصرون على مسالكهم الخبيثة ، وأعمالهم القبيحة ، مع أن من شأن الفتن والمصائب والمحن ، أنها تحمل على الاعتبار والاتعاظ ، والرجوع عن طريق الشر إلى طريق الخير .
ثم تصور السورة الكريمة تصويرا معجزا ، مشهدهم عندما تنزل السورة القرآنية على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وهم حاضرون في مجلسه فتقول : * ( وإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ) * أو آيات منها ، على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وهم موجودون في مجلسه * ( نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ) * في ريبة ومكر ، وتغامزوا بعيونهم وجوارحهم في لؤم وخسة ثم تساءلوا : * ( هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ) * أي :
هل يراكم من أحد من المسلمين إذا ما قمتم من هذا المجلس ، قبل أن يتلو الرسول صلى اللَّه عليه وسلم هذه السورة أو الآيات التي قد تفضحكم وتكشف عما أسررتموه فيما بينكم .
* ( ثُمَّ انْصَرَفُوا ) * من مجلس الرسول صلى اللَّه عليه وسلم متسللين في حذر حتى لا يراهم أحد من المسلمين .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 431
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤٣١