تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
قال القرطبي : قوله « من أنفسكم » يقتضى مدحا لنسب النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأنه من صميم العرب وخالصها ، وفي صحيح مسلم عن وائلة بن الأسقع قال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « إن اللَّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قرش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم » وعنه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « إني من نكاح ولست من سفاح » « 1 » . وقال الزجاج إن الخطاب في الآية الكريمة لجميع البشر ، لعموم بعثته صلى اللَّه عليه وسلم ، ومعنى كونه صلى اللَّه عليه وسلم « من أنفسكم » أنه من جنس البشر . ويبدو لنا أن الرأي الأول أرجح لأن الآية الكريمة ليست مسوقة لإثبات رسالته صلى اللَّه عليه وسلم وعمومها ، وإنما هي مسوقة لبيان منته وفضله - سبحانه - على العرب ، حيث أرسل خاتم أنبيائه منهم ، فمن الواجب عليهم أن يؤمنوا به ، لأنه ليس غريبا عنهم ، وإذا لم يؤمنوا به تكون الحجة عليهم ألزم ، والعقوبة لهم أعظم . وقوله : * ( عَزِيزٌ عَلَيْه ما عَنِتُّمْ ) * أي : شديد وشاق عليه عنتكم ومشقتكم ، لكونه بعضا منكم فهو يخاف عليكم سوء العاقبة ، والوقوع في العذاب . يقال : عزّ عليه الأمر أي صعب وشق عليه ، والعنت المشقة والتعب ومنه قولهم : أكمة عنوت ، إذا كانت شاقة مهلكة ، والفعل عنت بوزن فرح . وقوله : * ( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) * أي : حريص على إيمانكم وهدايتكم وعزتكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة . والحرص على الشيء معناه : شدة الرغبة في الحصول عليه وحفظه . وقوله : « بالمؤمنين رؤوف رحيم » أي : شديد الرأفة والرحمة بكم - أيها المؤمنون - والرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرر ، والرحمة عبارة عن السعي في إيصال النفع ، فهو صلى اللَّه عليه وسلم يسعى بشدة في إيصال الخير والنفع للمؤمنين ، وفي إزالة كل مكروه عنهم . قال بعضهم : لم يجمع اللَّه - تعالى - لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي صلى اللَّه عليه وسلم فإنه قال « بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » وقال عن ذاته - سبحانه - إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ « 2 » . ثم انتقل - سبحانه - من خطاب المؤمنين إلى خطابه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ . . ) * .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 301 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 302 .