تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
وقوله : * ( يَلُونَكُمْ ) * من الولي بمعنى القرب ، تقول جلست مما يلي فلان أي : يقاربه . قال ابن كثير : أمر اللَّه المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا ، الأقرب فالأقرب ، إلى حوزة الإسلام ، ولهذا بدأ الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب ، فلما فرغ منهم وفتح اللَّه عليه مكة والمدينة واليمن . . وغير ذلك من أقاليم العرب ، دخل الناس من سائر أحياء العرب في دين اللَّه أفواجا ، شرع في قتال أهل الكتاب ، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب ، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لأنهم أهل كتاب ، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس ، وجدب البلاد ، وضيق الحال ، ذلك سنة تسع من الهجرة ، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع ، ثم عاجلته المنية - صلوات اللَّه وسلامه عليه - بعد حجة الوداع بأحد وثمانين يوما وسار خلفاؤه الراشدون من بعده على نهجه . وقوله * ( ولْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) * أي : وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم ، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا بأخيه المؤمن ، غليظا على عدوه الكافر . قال - تعالى - : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه والَّذِينَ مَعَه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . وفي الحديث أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « أنا الضحوك القتال » يعنى : أنه ضحوك في وجه وليه المؤمن ، قتال لهامة عدوه الكافر » « 1 » . وقوله : * ( واعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ ) * تذييل قصد به حض المؤمنين على التسلح بسلاح الإيمان والتقوى حتى ينالوا نصر اللَّه وعونه . أي : واعلموا أن اللَّه - تعالى - مع المتقين بنصره ومعونته ، فاحرصوا على هذه الصفة ليستمر معكم نصره - سبحانه - وعونه . وإنما أمر اللَّه - تعالى - المؤمنين أن يبدؤا قتالهم مع الأقرب فالأقرب من ديارهم ، لأن القتال شرع لتأمين الدعوة الإسلامية ، وقد كانت دعوة الإسلام موجهة إلى الأقرب فالأقرب ، فكان من الحكمة أن يبدؤا قتالهم مع المجاورين لهم حتى يأمنوا شرهم ، ولأنه من المعلوم أنه ليس في طاقة المسلمين قتال جميع الكفار ، وغزو جميع البلاد في زمان واحد ، فكان من قرب أولى ممن بعد . ثم ختمت السورة - أيضا - حديثها الطويل المتنوع عن المنافقين ببيان موقفهم من نزول الآيات القرآنية على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير - بتصرف وتلخيص - ج 2 ص 401 .