النافرة بما تعاين من نصر اللَّه لأهل دينه ولأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به ، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام ، وظهوره على الأديان ، من لم يكن فقهه ، « ولينذروا قومهم » فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس اللَّه ، مثل الذي نزل بمن شاهدوا ، ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك ، إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم « لعلهم يحذرون » أي :
لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك ، يحذرون فيؤمنون باللَّه ورسوله ، حذرا من أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم . . . » « 1 » .
وقد علق صاحب المنار على رأى ابن جرير هذا بقوله : وهذا تأويل متكلف ينبو عنه النظم الكريم ، فإن اعتبار طائفة السرية بما قد يحصل لها من النصر - وهو غير مضمون ولا مطرد - لا يسمى تفقها في الدين ، وإن كان يدخل في عموم معنى الفقه ، فإن التفقه هو التعلم الذي يكون بالتكلف والتدرج ، والمتبادر من الدين علمه ، ولا يصح هذا المعنى في ذلك العهد إلا في الذين يبقون مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم فيزدادون في كل يوم علما وفقها بنزول القرآن . . . » « 2 » .
هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية : وجوب طلب العلم ، والتفقه في دين اللَّه وتعليم الناس إياه .
قال القرطبي : هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم لأن المعنى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبي صلى اللَّه عليه وسلم مقيم لا ينفر فيتركوه وحده « فلو لا نفر » بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم « من كل فرقة منهم طائفة » وتبقى بقيتها مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا ، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوه وعلموه ، وفي هذا إيجاب التفقه ، في الكتاب والسنة ، وأنه على الكفاية دون الأعيان . . » « 3 » .
ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن الجهاد في سبيل اللَّه ، بدعوة المؤمنين إلى قتال أعدائهم بشدة وغلظة فقال - تعالى - :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 123 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ولْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 123 )
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 14 ص 573 - طبعة دار المعارف .
( 2 ) تفسير المنار ج 11 ص 80 .
( 3 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 293 .