وقال صاحب المنار : « والشرع الإلهى يجازى المحسن بأضعاف إحسانه ، ولا يؤاخذ المسئ إلا بقدر إساءته ، فإذا كان أولئك المعذورون في القعود عن الجهاد محسنين في سائر أعمالهم بالنصح المذكور . انقطعت طرق المؤاخذة دونهم والإحسان أعم من النصح المذكور فالجملة الكريمة تتضمن تعليل رفع الحرج عنهم مقرونا بالدليل ، فكل ناصح للَّه ورسوله محسن ، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه في الحرج ، وهذه المبالغة في أعلى مكانة من أساليب البلاغة « 1 » .
وقوله : * ( واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * أي : واللَّه تعالى - واسع المغفرة ، كثير الرحمة ، يستر على عباده المخلصين ما يصدر عنهم من تقصير تقتضيه طبيعتهم البشرية .
وقوله : * ( ولا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْه . . . ) * معطوف على ما قبله ، من عطف الخاص على العام ، اعتناء بشأنهم ، وجعلهم كأنهم لتميزهم جنس آخر ، مع أنهم مندرجون مع الذين وصفهم اللَّه قبل ذلك « لا يجدون ما ينفقون » .
أي : لا حرج ولا إثم على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ، إذا ما تخلفوا عن الجهاد ، وكذلك لا حرج ولا إثم - أيضا - على فقراء المؤمنين ، الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل التي يركبونها لكي يخرجوا معك إلى هذا السفر الطويل قلت لهم يا محمد « لا أجد ما أحملكم عليه » .
وفي هذا التعبير ما فيه من تطييب قلوب هؤلاء السائلين فكأنه صلى اللَّه عليه وسلم يقول لهم إن ما تطلبونه أنا أسأل عنه ، وأفتش عليه فلا أجده ، ولو وجدته لقدمته إليكم .
وقوله : * ( تَوَلَّوْا وأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ) * بيان للآثار التي ترتبت على عدم وجود ما يحملهم من رواحل : لكي يخرجوا مع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إلى تبوك .
أي : أن هؤلاء المؤمنين الفقراء ، عندما اعتذرت لهم بقولك : « لا أجد ما أحملكم عليه » انصرفوا من مجلسك ، وأعينهم تسيل بالدموع من شدة الحزن لأنهم لا يجدون المال الذي ينفقونه في مطالب الجهاد ، ولا الرواحل التي يركبونها في حال سفرهم إلى تبوك .
فالجملة الكريمة تعطى صورة صادقة مؤثرة للرغبة الصادقة في الجهاد ، وللألم الشديد للحرمان من نعمة أدائه .
وبمثل هذه الروح ارتفعت راية الإسلام ، وعزت كلمته ، وانتشرت دعوته .
هذا ، ومن الأحكام والآداب التي نستطيع أن نأخذها من هاتين الآيتين ما يأتي :
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 10 ص 158 .